فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ١٣١ - أقول إن أخبار الطائفة الثالثة الدالة على اعتبار كون قيمة المسروق عشرة دراهم
أقول: إنّ ما ذكره المحدّث المجلسيّ و المحقّق الخوئيّ رحمهما الله من عدم ذهاب فقهاء السنّة إلى اعتبار خمس دينار هو كلام متين، و حينئذٍ فلا وجه لحمل أخبار الطائفة الثانية على التقيّة، و العجب من الشيخ الطوسيّ رحمه الله مع عظم شأنه و علوّ قدره و طول باعه وسعة اطّلاعه بالأحكام و الأخبار و الفتاوى و الآراء، و قرب عهده من عهد الأئمّة عليهم السلام كيف غفل عن مثل هذه النكتة و كيف حمل ما دلّ على اعتبار الخمس على التقيّة؟[١] مع أنّه نقل آراء فقهاء السنّة في كتاب خلافه و لم ينقل هذا الرأي منهم. أجل، قد يلوح من بعض عبارات مصنّفي العامّة التي سننقلها في نقل نظريّتهم، ذهاب بعضهم إلى اعتبار ذلك، و لكنّه رأي شاذّ عندهم.
و كذلك الأمر بالنسبة إلى اعتبار ربع دينار، فإنّ القول المذكور لم يكن متّفقاً عليه بينهم بنحو يوجب لزوم رعاية الإمام عليه السلام له و الحكم به تقيّة، و لذا نرى أنّ علماء العامّة أنفسهم لم يراعوا القول المذكور و لم يعترض عليهم أحد.
و لقد عثرت هنا على عبارة من الشهيد الثاني رحمه الله في مبحث كتاب النكاح، يناسب ذكرها هنا، فإنّه قال في مقام ردّ احتمال التقيّة في بعض الأخبار المذكورة هناك ما هذا لفظه: «و كونه للتقيّة غير جيّد، لأنّها مسألة اجتهاديّة و المخالفون مختلفون فيها ... و حينئذٍ فحمل مثل هذا على التقيّة غير واضح، و لا ينبغي التعلّق بها إلّا في المسائل التي اتّفق عليها من خالفهم، و إلّا فلهم أسوة بمن وافق، فينبغي التفطّن لذلك في ظاهر هذه المسألة، فإنّها كثيرة تراهم يحملون فيها الحكم على التقيّة مع اختلاف المخالفين فيها، و مثل هذا لا يجوّز العدول عن مدلول اللفظ بمجرّد الاحتمال البعيد.»[٢] ثمّ، نحن نعتقد أنّ في الأخبار الماضية جهاتاً و نكاتاً لو توجّهنا إليها و حقّقناها فلعلّها
[١]- راجع: الاستبصار، ج ٤، ص ٢٤٠، ذيل ح ٩٠٨.
[٢]- مسالك الأفهام، ج ٧، ص ٥٤.