فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٤٩٥ - أ - الكتاب و جريمة الحرابة
فاستاقوا إبل الصدقة فبعث النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم من جاء بهم فقطع أيديهم و أرجلهم و سمل أعينهم و ألقاهم في الحرّة حتّى ماتوا. قال أنس: فأنزل اللَّه تعالى في ذلك: «إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ» الآية، أخرجه أبو داود و النسائيّ، و لأنّ محاربة اللَّه و رسوله إنّما تكون من الكفّار لا من المسلمين. و لنا: قول اللَّه تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ» و الكفّار تقبل توبتهم بعد القدرة كما تقبل قبلها، و يسقط عنهم القتل و القطع في كلّ حال، و المحاربة قد تكون من المسلمين بدليل قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ»[١].»[٢] و قال المفسّر السيّد الطباطبائيّ رحمه الله: «محاربة اللَّه و إن كانت بعد استحالة معناها الحقيقيّ و تعيّن إرادة المعنى المجازيّ منها، ذات معنىً وسيع يصدق على مخالفة كلّ حكم من الأحكام الشرعيّة و كلّ ظلم و إسراف، لكن ضمّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم إليه يهدي إلى أنّ المراد بها بعض ما للرسول صلى الله عليه و آله و سلم فيه دخل، فيكون كالمتعيّن أن يراد بها ما يرجع إلى إبطال أثر ما للرسول صلى الله عليه و آله و سلم عليه ولاية من جانب اللَّه سبحانه، كمحاربة الكفّار مع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و إخلال قطّاع الطريق بالأمن العامّ الذي بسطه بولايته على الأرض. و تعقّب الجملة بقوله:
«وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً» يشخّص المعنى المراد، و هو الإفساد في الأرض بالإخلال بالأمن و قطع الطريق دون مطلق المحاربة مع المسلمين. على أنّ الضرورة قاضية بأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لم يعامل المحاربين من الكفّار بعد الظهور عليهم و الظفر بهم هذه المعاملة من القتل و الصلب و المثلة و النفي. على أنّ الاستثناء في الآية التالية قرينة على كون المراد بالمحاربة هو الإفساد المذكور، فإنّه ظاهر في أنّ التوبة إنّما هي من المحاربة دون الشرك و نحوه. فالمراد بالمحاربة و الإفساد على ما هو الظاهر هو الإخلال بالأمن
[١]- البقرة( ٢): ٢٧٨ و ٢٧٩.
[٢]- المغني و يليه الشرح الكبير، ج ١٠، صص ٣٠٢ و ٣٠٣- و راجع في هذا المجال: التشريع الجنائيّ الإسلاميّ، ج ٢، ص ٦٣٩- الفقه الإسلاميّ و أدلّته، ج ٦، ص ١٢٩.