مطلع انوار - حسینی طهرانی، سیّد محمّد حسین - الصفحة ٥٠٨ - حکم أبیحنیفة بصحّة الوضوء مع نبیذ التّمر، و بصحّة الوضوء بدون النیّة
معاملات و عبادات، و مناکحات و حدود، و أحکام و حکومات و آداب.
فنبیّن فی کلّ واحدٍ من هذه القواعد أمثلةً یسترشد بها المسترشد، و یحصُل له الإشرافُ علی قبیله. فرأی الشافعیّ ـرضی الله عنهـ أنّ العبادات مقدّرةٌ بالطّهارة؛ لأنّها شرطُ أشرف العبادات؛ لأنّ الصّلاة أشرف العبادات بعد الإیمان بالله تعالی، و هی الرّکن الأقوی و أدومُها و أولی العبادات بالإیجاب، و لاصلاة إلّا بالطّهارة.
حکم أبیحنیفة بصحّة الوضوء مع نبیذ التّمر، و بصحّة الوضوء بدون النیّة
ثمّ قال: ”فجامِعُ ما یتخیّل المتخیّلُ فی الطّهارة معنیان:
أحدهما: الطّهارة و النّظافة و النّزاهة و تطهیر الدّنس و درءُ العیافة[١] و إحیاء مراسم العبادة. ثمّ رأی أنّ الطّهارة لمقصود النّظافة لاتتحقّق إلّا بمراعاة المعنی الثانی، و هو التّعبد، و ضوابطُ الشّرع معتبرةٌ لئلّا یختلّ مقصودُ الشرع من النّظافة. و رأی أنّ الجمع بین المعنیین لا یتأتّی إلّا بآلةٍ مخصوصةٍ، و هی الماء ـعلی ما بیّنّا فی الفروعـ؛ فإنّ من یتوضّأ بنبیذ التَّمر، فقد جعل نفسه شَوهَةَ العالمین، و نکال الخلق أجمعین، سیّما فی الصّیف الحارّ.“
و قرّر أبوبکر الباقلانی هذا الفصل، فقال: ”لو أنّ ماجنًا فاسقًا مُدمنًا للخمر تنکّس فی برکة نبیذ، فأدّی صلاته بذلک التنکیس، جوّز أبوحنیفة صلاتَه!“
فلا شکّ أنّ هذا یناقض کلا المقصودین: الطّهارة و النّظافة و التّعبّد.
و کذلک جوّز الوضوءَ من غیر نیّةٍ، و الوضوء عبادةٌ؛ لِما ورد فیه من الأخبار، و
[١]. النهایة: «العِیافةُ: زجرُ الطیر و التفأُّل بأسمائها و أصواتها و ممرّها؛ و هو من عادة العرب کثیرًا و هو کثیرٌ فی أشعارهم. یقال: عاف یعیفُ عیفًا، إذا زجَر و حدس و ظنّ.»