مطلع انوار - حسینی طهرانی، سیّد محمّد حسین - الصفحة ٥٢٠ - سؤالُ هارون عن الشّافعیّ و إفحامُ الشّافعیّ محمّد بن الحَسَن، و مَوَاعظُهُ البَلیغة لِهارون
قال: ”کیف علمک بالشِّعر؟!“ قال: ”أعرِف الجاهلیّ و معاریضه و آدابه و بحوره و فنونه و أروِی الشّاهد و الشاذّ و ما تُبدِیه المکارم!“
قال: ”کیف علمک بالأنساب؟!“ قال: ”هذا علم لایَسَعُنی جهلُه فی الجاهلیّة مع تحمّل الکفر و تَغمُّضِ الحقّ، فأولَتهُ أوائلُنا إفخارًا و فضائلَ و قبائلَ، ورثته الأصاغر عن الأکابر، وعهد به الخَلَفُ اقتداءً بالسّلف، و إنّی لأعرف جماهیرَ الأقوام و نِسَب الکرام و مآثر الأیّام، و فیها نِسَبُ أمیرالمؤمنین و نِسَبی، و مآثرُ آبائِه و آبائی.“
سؤالُ هارون عن الشّافعیّ و إفحامُ الشّافعیّ محمّد بن الحَسَن، و مَوَاعظُهُ البَلیغة لِهارون
فاستوی هارون و قال: ”یا بنإدریس! لقد ملأتَ صَدری، و عَظُمتَ فی عَینی، فعِظْنی موعظةً أعرف بها مقدار علمک!“
قال: ”بشرطِ طرحِ الحِشمَة و دفع الهَیبَةِ و إلقاء رداء الکِبر عن مِنکَبَیک و قبول النّصیحة و إعظام حقّ الموعظة و الإصغاء لها.“
و جَثَی الشّافعیُّ علی رُکبَتیه و مَدّ یَدَیه غیرَ مُکتَرِثٍ،[١] فقال: ”یا ذاالرّجل! إنّ مَن أطال عِنان الأمَل فی العزّة، و طوی عِذار الحذر فی المهلة، و لمیُعوِّل علی طریق النّجاة، کان بمنزلة قلّة الاکتراث مِن الله سقیمًا، و صار فی أمده المحدود مثل نَسْج العَنکبوت، لایأمن علیها نفسَه، و لایُضیء له ما أظلم علیه من لَبسه. أما والله لو اعترفتَ بما أسلفتَ، و نظرتَ لیومک، و قدّمتَ لغدک، و قَصَّرتَ أملک، و صَوَّرت النّدامة، لَتَستدرکُ الخیرَاتِ غدًا فی یوم القیامة. ولکن ضَرَبَ الهوی علیکَ رِواقَ الحیرة (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ).[٢]“
فَعَلا شهیقُ هارون بالبُکاء، فقالت الخاصّة: ”یَکفیک یا شافعیّ!“ فزجرهم و
[١]. الاکتراث: الالتفات و الاعتناء و المبالاة. (محقّق)
[٢]. سوره النّور (٢٤) آیه ٤٠.