دراسات في الأصول / تقريرات - السيد صمد علي الموسوي - الصفحة ٩٢ - تتمة
إذا فرغنا من تعريف الاستصحاب و الأقوال و الخصوصيّات المبحوثة هنا، فلنبحث في التفصيل الذي ذكره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) [١] بقوله: «إنّ المستصحب قد يثبت بالدليل الشرعي و قد يثبت بالدليل العقلي، و لم أجد من فصّل فيها، إلّا أنّ في تحقّق الاستصحاب مع ثبوت الحكم بالدليل العقلي- و هو الحكم العقلي المتوصّل به إلى حكم شرعي- تأمّلا؛ نظرا إلى أنّ الأحكام العقليّة كلّها مبيّنة مفصّلة من حيث مناط الحكم، و الشكّ في بقاء المستصحب و عدمه لا بدّ و أن يرجع إلى الشكّ في موضوع الحكم؛ لأنّ الجهات المقتضية للحكم العقلي بالحسن و القبح كلّها راجعة إلى قيود فعل المكلّف الذي هو الموضوع. فالشكّ في حكم العقل حتّى لأجل وجود الرافع لا يكون إلّا للشكّ في موضوعه، و الموضوع لا بدّ أن يكون محرزا معلوم البقاء في الاستصحاب كما سيجيء.
و لا فرق فيما ذكرنا بين أن يكون الشكّ من جهة الشكّ في وجود الرافع، و بين أن يكون لأجل الشكّ في استعداد الحكم؛ لأنّ ارتفاع الحكم العقلي لا يكون إلّا بارتفاع موضوعه، فيرجع الأمر بالتالي إلى تبدّل العنوان، أ لا ترى أنّ العقل إذا حكم بقبح الصدق الضارّ، فحكمه يرجع إلى أنّ الضارّ من حيث إنّه ضارّ حرام، و معلوم أنّ هذه القضيّة غير قابلة للاستصحاب عند الشكّ في الضرر مع العلم بتحقّقه سابقا؛ لأنّ قولنا: «المضرّ قبيح» حكم دائمي لا يحتمل ارتفاعه أبدا، و لا ينفع في إثبات القبح عند الشكّ في بقاء الضرر، و لا يجوز أن يقال: إنّ هذا الصدق كان قبيحا سابقا فيستصحب قبحه؛ لأنّ الموضوع في حكم العقل بالقبح ليس هذا الصدق، بل عنوان المضرّ، و الحكم له مقطوع البقاء، و هذا بخلاف الأحكام الشرعيّة؛ فإنّه قد يحكم الشارع على الصدق
[١] فرائد الاصول ٣: ٣٧.