بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٣١ - إذا تاب المرتد فهل يصح منه أداء الحج أو لا؟
وبالجملة: التوبة هي الرجوع عن الذنب والندم على ارتكابه وتوجب مع قبولها محو ذلك الذنب وصيرورته كأن لم يكن فترتفع الآثار المقررة له بعنوانه، وما ليس أثراً للذنب بل موضوعه أمر آخر فبقاؤه وارتفاعه منوط ببقاء ذلك الموضوع وانتفائه.
وبهذا يظهر أن نفي توبة المرتد الفطري ــ كما استفيد من صحيحة محمد بن مسلم ــ لا يقتضي عدم صيرورته مسلماً بتوبته وعدم ترتب أحكام المسلمين عليه، وإنما يقتضي عدم ارتفاع الآثار المترتبة على صدور ذنب الارتداد منه ومن الظاهر اختصاصها أيضاً بالآثار الدنيوية، وأما الأخروية فهي ترتفع بالتوبة لقوله تعالى [١] : ((قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا)) فإن لسانه آبٍ عن التخصيص فتدبر.
هذا ثم إنه قد يتوهم دلالة صحيحة محمد بن مسلم وموثقة عمار الساباطي على أن ما لا يثبت في حق المرتد الفطري وإن تاب هو خصوص الأحكام الشرعية الثابتة في حق من هو مسلم ظاهراً وإن لم يكن مسلماً واقعاً كحقن الدماء واحترام الأموال وجواز النكاح من المسلمة والإرث من المسلم ونحوها.
والقرينة على ذلك أن المذكور في الروايتين من الأحكام المترتبة على المرتد الفطري هو خصوص إباحة دمه وتقسيم ماله وانفصال زوجته عنه. وكلّها من سنخ ما يثبت خلافه للشخص بمجرد إسلامه الظاهري. وعلى ذلك فلا يختص بالثلاثة، بل يشمل عدم زواجه من المسلمة وعدم طهارة بدنه وعدم إرثه من المسلم ونحو ذلك.
ولكن هذا ضعيف جداً فإن المذكور في الروايتين وجوب قتله لا مجرد عدم حرمة دمه وكذلك تقسيم أمواله بين ورثته لا عدم احترامها وأيضاً انفصال زوجته عنه مع ثبوت عدّة الوفاة عليها لا عدة الانفساخ، مما يدل على أن الارتداد عن فطرة يعتبر بمنزلة الموت شرعاً مضافاً إلى وجوب القتل الذي هو
[١] الزمر:٥٣.