بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٨١ - الاستدلال بحديث الجبّ على سقوط الحج عمن أسلم بعد زوال استطاعته
توجيهه بأن القصاص إنما هو حق أولياء الدم فإذا لم يطالبوا به ولو لغيبتهم فليس من وظيفة ولّي الأمر التصدي لاستيفائه بل ليس له ذلك ولذلك لم يؤاخذ النبي ٦ المغيرة بن شعبة على جريمة قتل رفقائه، وأما قوله ٦ : ((فإن الإسلام يجبّ ما قبله)) فربما بلحاظ العقوبة الأخروية على أصل ما صدر منه من غدر وخيانة، فتأمل.
لا يقال: قد ثبت أن النبي ٦ لم يؤاخذ أحداً ممن أسلم على قتاله للمسلمين وقتله لهم في الحروب والغزوات ألا يدل ذلك على سقوط القصاص عنه بدخوله في الإسلام؟
قلت: ربما يكون ذلك من جهة أن قتل العدو في الحرب مما كان سائغاً عندهم فيختلف عن قتل الرفيق في السفر غدراً وخيانة.
إن قلت: فما تقول في الدماء التي أريقت في الجاهلية مع أن من المعلوم من سيرة النبي ٦ أنه لم يؤاخذ أحداً ممن أسلم بشيء منها؟
قلت: هذا صحيح ولكن لا يلزم أن يكون العفو عنها مراداً بحديث الجبّ فتدبر.
هذا ثم إن الوجه المذكور في تفسير حديث الجبّ مما ينسجم مع موارد ذكره من القضايا المتقدمة كما لا يخفى على من راجعها، وأيضاً يناسب ما ورد في ما يعرف بتفسير القمي من تفسير الجب بالمحو. فإن الظاهر أنه إنما أراد به محو الذنب.
كما أنه يطابق ما أفاده الشريف الرضي في معنى الحديث حيث قال [١] : هذا القول مجاز لأن أصل الجبّ هو اختزال السنام من أصله، فكأنه عليه الصلاة والسلام جعل الإسلام مستأصلاً لكل ذنب تقدم للإنسان قبله حتى لا يدع له جناية يحذر عاقبتها ولا معرة يسوء الحديث عنها بل يعفي عن ما تقدم من السوءات ويحثو على ما ظهر من العورات.
وسيأتي تتمة للكلام في هذا الوجه إن شاء الله تعالى.
[١] المجازات النبوية ص:٥٤.