بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٨ - ب دلالتهما على وجوب الاستنابة على العاجز الذي استقر عليه الحج والمناقشة فيه
من جهة فقدان المال ــ أنه كان بإمكانه أداء فريضة الحج في سني حياته الطويلة قبل بلوغ حالة العجز. فإن المسافة بينه وبين الأماكن المقدسة لم تكن طويلة جداً، ولا كان السفر مكلفاً غايته، كما كان هو الحال بالنسبة إلى من يسكن في البلاد النائية جداً كخراسان ــ مثلاً ــ.
إذاً مثله ممن كان يتمكن عادة من أداء الحج، ولكن سّوف في ذلك، كما هو شأن الكثير من أصحاب المال الذين يسوّفون في أداء هذه الفريضة إلى أن يتقدم بهم العمر، فيجدوا أنفسهم وقد عجزوا عن أدائها مباشرة. فهذا هو المورد الغالب لمثل الواقعة المحكية في الروايتين.
وأما فرض كون الرجل فاقداً للمال قبل أن يبلغ الشيخوخة المتقدمة، أو يكون الطريق مغلقاً أمامه أو مريضاً في كل تلك السنوات، ثم يجد المال أو يفتح أمامه الطريق أو يبرأ من مرضه، ولكنه يعجز من أداء الحج بسبب ضعف الشيخوخة، فهو أمر لا يحدث إلا قليلاً، بل نادراً. فينبغي حمل الروايتين على غير هذا المورد.
ولعل في قوله ٧ : ((لم يحج قط)) إيعاز إلى هذا المعنى أيضاً، أي أنه لم يأتِ بالحج بالرغم من طول عمره، وعدم وجود مانع من مرض مستمر أو منع سلطان ونحو ذلك، مما يشير إلى تقصيره في أداء هذه الفريضة.
هكذا يمكن أن يقال، ولكن الإنصاف أن ما ذكر لا يفي بإثبات أن من استقر عليه الحج هو المورد الغالب، بحيث تكون الحالة الأخرى من قبيل المورد النادر. بل يمكن تقريب عكس ذلك كما سيأتي عند الكلام في الاحتمال الثالث.
وأما قوله ٧ : ((لم يحج قط)) فلا يستفاد منه أزيد من عدم أداء ذلك الشيخ الكبير لحجة الإسلام من قبل ولا دلالة فيه على تقصيره في أدائها.
نعم ما ورد في رواية سلمة أبي حفص في بيان تلك الواقعة من قوله: ((إني كنت كثير المال، وقد فرطت في الحج حتى كبر سني)) نص في كونه ممن استقر عليه الحج. فلو اعتمد على الرواية المذكورة ــ لكون الراوي عن سلمة هو أبان بن عثمان، وهو من أصحاب الإجماع ــ فلا إشكال في لزوم البناء على