بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٦ - هل وجوب الاستنابة على العاجز الذي استقر عليه الحج يستلزم وجوبها على العاجز الذي لم يستقر عليه الوجوب وبالعكس أو لا؟
عنه تبرعاً، ولو لم يثبت هذا الحكم لكان يحتمل أن الشارع المقدس لم يشرع الاستنابة لمن استقر عليه الوجوب في حال حياته ــ بالرغم من مشروعية النيابة في الحج في حال الحياة لمن لم يستقر عليه الوجوب ــ لغرض التشديد عليه [١] وبقاء ذمته مشغولة بالحج إلى يوم الحشر، واستحقاقه بذلك أشد العقاب، ولكن المفروض أنه شرّع النيابة عنه بعد وفاته، بل أوجب إخراج الحج من تركته مع وفائها بذلك، فينتفي احتمال عدم تشريع الاستنابة عنه في حال حياته من جهة التشديد عليه فلا يبقى وجه لعدم مشروعيتها في حقه.
وبالجملة: إن مشروعية الاستنابة في حق من لم يستقر عليه الحج تدل على أن الحج ليس مثل الصلاة والصوم، مما لا يقبل النيابة في حال الحياة. ومشروعية النيابة عمن استقر عليه وجوب الحج بعد الوفاة، بل وجوب إخراج الحج من تركته مع سعتها يدل على أن الله تعالى ليس بصدد الانتقام ممن استقر عليه الحج، ولم يؤده من غير عذر حتى عجز عن أدائه.
وعلى ذلك يمكن أن يقال: إن من استقر عليه الحج أولى بالإلزام بالاستنابة في حال حياته من الذي لم يستقر عليه وجوبه، وذلك لأن من لم يستقر الوجوب عليه ــ بالرغم من عدم وجوب الحج عليه مباشرة من قبل ــ قد أُلزم بالاستنابة فكيف يعفى عنها من استقر عليه الوجوب؟!
ولكن يمكن أن يناقش في هذا البيان بأن الأولوية على نحوين ..
النحو الأول: الأولوية التي تكون في مورد مفهوم الموافقة كما في الآية الكريمة [٢] : ((فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ..)) الدالة على حرمة الضرب بطريق أولى. وإنما يؤخذ بهذه الأولوية لا لاعتبارها في حدّ نفسها، بل من جهة انعقاد ظهور الكلام في حرمة الضرب، والظهور يعتمد عليه ولو لم يحصل الظن بالمراد لأنه حجة عقلاءً.
[١] كما هو الحال في من يتعمد العود إلى الصيد في حال الإحرام حيث لم تشرع الكفارة في حقه، لأن الله عزّ وجل أراد الانتقام منه وهو لا يناسب تشريع الكفارة، لأن الغرض منها هو التستر على الذنب وتغطيته.
[٢] الإسراء:٢٣.