بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٨٤ - اختصاص صحيحة الحلبي بمن لم يستقر عليه الحج أو شمولها لمن استقر عليه أيضاً
الأمر تشدد العقوبة على مخالفة الوجوب الذي يخص العالم الفقيه ــ مثلاً ــ أو يُعظم الأجر في امتثاله، وأما أن يجعل وجوب يخصه فهذا مما لا مقتضي له.
مع أنه لو سلمنا أن أقوائية الملاك يقتضي إنشاء وجوب مشدد يخص العالم الفقيه، فلا بد من أن يكون الوجوب المخفف مختصاً بسائر الحصص، لا أن يشمل الطبيعي بجميع أفراده وحصصه حتى العالم الفقيه، ليقتضي ذلك اجتماع وجوبين فيه.
وأما الاستحبابي فهو غير معقول أيضاً، فإنه لا يصح جعل وجوب الإكرام لطبيعي العالم حتى العالم الفقيه، ثم جعل استحباب إكرامه أيضاً.
وأما ما يذكر في كلماتهم من حمل المقيد على أفضل الأفراد، فمورده المطلق البدلي لا الشمولي، فإنه في المطلق البدلي لا ضير في أن يكون هناك وجوب للطبيعي على البدل، واستحباب فرد بخصوصه في مقام الامتثال. وأما في المطلق الشمولي فما يقابل حمل المطلق على المقيد هو حمل الأمر في المقيد على كونه للتأكيد، أي تأكيد الوجوب الثابت للطبيعي، الذي ينحل ويخص فرد منه هذه الحصة، ومنشأ التأكيد هو أقوائية الملاك المقتضية لأكثرية الثواب أو لأشدية العقاب.
فظهر بهذا البيان عدم تمامية ما ذكر من أنه يمكن أن يكون الحكم في القضية الأولى مجعولاً لطبيعي الموضوع بنحو الإطلاق، والحكم في القضية الثانية مجعولاً لحصة خاصة منه، بل لا مجال إلا لحكم واحد من الاثنين [١] وحيث إن
[١] حكي عن بعض الأعلام (قدس سره) في بحوث في علم الأصول (ج:٣ ص:٢٠٢) أنه التزم بتعدد الوجوب في المقام ــ أي المطلق الشمولي ــ كما التزم به في المطلق البدلي على أساس أنه يحتمل أن يكون لكل من طبيعي العلم وخصوصية الفقاهة ميزة خاصة تقتضي وجوب الإكرام في مورد كل منهما بعنوانه. وعلى ذلك فلا مجال لحمل المطلق على المقيد فضلاً عن حمله على الحصة.
ولكن هذا الكلام ليس صحيحاً، فإن اقتضاء كل من طبيعي العلم وخصوصية الفقاهة لوجوب الإكرام لا يعني صحة جعل وجوبين، بل يجب أن يلاحظ أن لا يستلزم منه جعل وجوبين لفعل واحد فإنه لغو، فلا يصح أن يجعل وجوب لإكرام طبيعي العالم على نحو الشمول لجميع أفراده، ووجوب لإكرام خصوص العالم الفقيه، بل إما أن يجعل الوجوب الأول ويكون ما يدل على الثاني تأكيداً، أو يخص العالم الفقيه بوجوب إكرام يكون مشدداً، ويخص من عداه من أفراد العالم بوجوب آخر مخفف. وأما أن يُجعل وجوبان، لتكون نتيجته أن يجب إكرام العالم الفقيه بوجوبين، فهو ليس عقلائياً، ولا يمكن الالتزام به.