بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٢٥ - الوجوه المذكورة في مفاد صحيحة بريد بن معاوية والمناقشة فيها وبيان الوجه المختار
مقتضى الجمع العرفي بين طرفي التعارض هو تقديم المنطوق وتقييد المفهوم، وذلك لأحد أمرين ..
الأول: ما ذكره بعضهم من أن المنطوق أقوى دلالة من المفهوم، إذ المنطوق مدلول مطابقي للكلام في حين أن المفهوم مدلول التزامي، والدلالة المطابقية أقوى من الدلالة الالتزامية، فلا بد عند التعارض من الأخذ بالمنطوق وتقديمه على المفهوم، وذلك بتقييده بما يقتضيه المنطوق.
ويلاحظ هنا ..
أولاً: أن معارضة منطوق أحد الشرطيتين مع مفهوم الأخرى ليست بمعزل عن منطوق الثانية، بل المعارضة في الحقيقة هي مع منطوق الثانية، لدلالتها على ما يقتضي الانتفاء عند الانتفاء، وهو أساس الدلالة على المفهوم، ولولا دلالة المنطوق على خصوصية تقتضي الانتفاء عند الانتفاء لما تم انعقاد الظهور لهذه الجملة الشرطية في المفهوم، فالتعارض حقيقة بين المنطوقين.
وثانياً: إن تم ما تقدم فإنما يتم فيما إذا كانت دلالة الشرطيتين على ترتب الجزاء على ما فرض من الشرطين بالمنطوق، حتى يقع التعارض ــ كما قيل ــ بين منطوق كل منهما مع إطلاق مفهوم الأخرى، فيأتي حديث أقوائية المنطوق من المفهوم. وأما مع كون الدلالة ــ على ترتب الجزاء على الشرط ــ في إحداهما بالمنطوق وفي الأخرى بالمفهوم فالتعارض عندئذٍ يقع بين المنطوقين وبين المفهومين، فلا محل لحديث أقوائية المنطوق من المفهوم.
ومحل البحث من صحيحة بريد العجلي من هذا القبيل، لأن الشرطية الثانية إنما تدل بمنطوقها على عدم الإجزاء مع كون الموت قبل الإحرام، وتدل بمفهومها على الإجزاء مع كون الموت بعد الإحرام، فطرف المعارضة لمنطوق الشرطية الأولى هو إطلاق منطوق الشرطية الثانية لا إطلاق مفهومها، كما أن طرف المعارضة لمفهوم الشرطية الثانية هو إطلاق مفهوم الأولى لا إطلاق منطوقها. وعلى ذلك لا محل للتقديم بملاك أقوائية المنطوق من المفهوم.
فالنتيجة: أن هذا الأمر الأول الذي ذكر وجهاً لهذا القول غير تام.