بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٤١ - ٣ صحيحة زرارة والاختلاف فيما يستفاد منها
ومن الغريب ما قيل [١] في تقريب المدعى المذكور من أنه ورد في الروايات ((أن مكة حرم الله، فإذا دخل في الحرم فقد دخل في حرم الله وهو مكة)).
وجه الغرابة: أن محل الكلام إنما هو حرم مكة الذي يشترك مع مكة في جملة من الأحكام ــ كحرمة الصيد فيه وعدم جواز قلع نباته والمنع من إقامة الحد والقصاص فيه وغير ذلك ــ في مقابل حرم المدينة الذي له بعض الأحكام أيضاً، وليس الكلام في حرم الله وهو مكة في مقابل حرم رسول الله ٦ التي هي المدينة المنورة، ومقابل حرم أمير المؤمنين ٧ وهي الكوفة، كما ورد في النصوص.
وبالجملة حرم الله هي مكة أي المدينة المقدسة، وهي كسائر المدن تتوسع وتتقلص، ففي الزمن السابق كانت صغيرة ثم توسعت حتى إنها الآن تقع على جزء من الحِلّ، وأما الحرم بقول مطلق فالمراد به حرم مكة، وهو مساحة محددة من الأرض لا تزيد ولا تنقص، وله أعلام معروفة، وهو محل الكلام في المقام، فلا يصح الخلط بينهما.
الأمر الثالث: ما ذكره بعض الأعلام (رضوان الله عليه) [٢] من أن المراد بمكة حرمها من باب الكناية. ولم يظهر له وجه إذ عدم الدخول إلى الحرم ليس لازماً لعدم الانتهاء إلى مكة فكيف يُكنّى به عنه، أي ليس كل من لم يصل إلى مكة لا يكون قد دخل في الحرم بل قد يكون دخل فيه، لأن الحرم كان أوسع من مكة من جميع الجهات، وهو كذلك في العصر الراهن إلا من جهة التنعيم، فلا يصح التكني بعدم الانتهاء إلى مكة عن عدم الدخول في الحرم.
الأمر الرابع: ما خطر بالبال من أن يقال: إن المراد بمكة حرم مكة من باب حذف المضاف، فإن الحرم هو حرم مكة كما تقدم فعندما قال زرارة: (قبل أن ينتهي إلى مكة) أراد قبل أن ينتهي إلى حرم مكة من باب حذف المضاف، وهذا باب شائع في اللغة العربية.
[١] تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى ج:٨ ص:١٨٧.
[٢] المرتقى إلى الفقه الأرقى (كتاب الحج) ج:١ ص:١٦٣.