بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٥٥ - المسالك الرئيسة في كيفية وجوب الحج
قد استدل على الوجوب الثاني ــ الذي يثبت بعد زوال الاستطاعة بسبب التسويف والإهمال ــ بطائفتين من الروايات [١] ..
الطائفة الأولى: ما دل على أن من مات ولم يحج من غير عذر فهو كمن يموت كافراً، ومنها صحيحة ذريح المحاربي التي دلت على أن من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق فيه الحج أو سلطان يمنعه فليمت يهودياً أو نصرانياً.
الطائفة الثانية: ما دل على أن من يسوف الحج للتجارة أو الدين ــ أي من غير عذر ــ إن مات وقد ترك الحج فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام، ومنها صحيحة الحلبي ورواية أبي الصباح الكناني ورواية زيد الشحام وغيرها.
وإذا كانت الطائفة الأولى قاصرة عن الشمول بالنسبة إلى الكافر بلحاظ التعبير الوارد فيها من قوله: ((فليمت يهودياً أو نصرانياً)) ــ لأن من يكون كافراً حقيقة لا يتأتى في حقه أن ينزّل منزلة الكافر بسبب تركه للحج ــ إلا أن الطائفة الثانية غير قاصرة الدلالة عن الشمول للكافر، وذلك للأولوية، إذ كيف يلتزم أن المسلم إذا سوّف الحج لغير عذر حتى مات يحكم بأنه ترك شريعة من شرائع الإسلام، وأما الكافر فلا يحكم عليه بذلك إذا تركه لعدم اختياره الإسلام من غير عذر حتى يموت، فتأمل.
بل يمكن أن يقال: إن الطائفة الأولى إن كانت لا تشمل الكافر بلحاظ ما قبل إسلامه فإنها تشمله بلحاظ ما بعد إسلامه، فيقال لهذا الذي كان كافراً وكان مستطيعاً ولم يسلم ويأت بالحج حتى زالت استطاعته ثم أسلم ومات قبل أن يؤديه أنه يموت نصرانياً أو يهودياً، وإذا ثبت توجه الوجوب إليه بعد إسلامه بمقتضى هذه الروايات فيمكن أن يقال إنه كان ثابتاً في حقه قبل إسلامه أيضاً إذ من المستبعد أن يكون وجوباً مستجداً بعد الإسلام، بل مقتضى مناسبات الحكم والموضوع كونه وجوباً ثابتاً في حقه بزوال استطاعته كما هو الحال بالنسبة إلى المسلم، فتدبر.
[١] معتمد العروة الوثقى ج:١ ص:٢١٨.