كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٢٩٧ - مقدمة الحرام
و حيث إن الإرادة ليس اختيارية[١] فلا يمكن تعلّق التحريم بها، أما غيرها
[١] و ذلك لما تقدّم في أبحاث سابقة من أن الشيخ الخراساني يختار رأي الفلاسفة القائل بأن الملاك في اختيارية الفعل هو سبقه بالإرادة، فكل فعل إنما يكون اختياريا فيما إذا كان مسبوقا بالإرادة، و لازم هذا الضابط أن لا تكون الإرادة اختيارية و إلّا يلزم أن تكون مسبوقة بالإرادة، و الإرادة مسبوقة بغيرها، و هكذا حتّى يلزم التسلسل.
و لكن قد تقدّم منّا الجواب عن ذلك و قلنا: إن الملاك في اختيارية الأفعال هو سبقها بالإرادة، و أما الإرادة فيمكن أن يقال: إن اختياريتها بنفسها، كما هو الحال في النور، فإن الأشياء تصير منيرة بالنور، و أما نفس النور فنوريته بنفسه.
ثمّ إنه بعد الفراغ من هذا نطرح تساؤلين:
الأوّل: إن النحو الأوّل من مقدمات الحرام- أعني الذي لا يتوقف ترك الحرام على تركه- و إن لم يمكن الحكم بحرمته من ناحية مقدميته للحرام و لكن لم لا يحكم بحرمته من باب حرمة الإعانة على الحرام، إذ كل مقدمة هي تقع في طريق الإعانة على تحقيق الحرام؟
و الجواب: إن قاعدة حرمة الإعانة تتم فيما إذا كان الحرام صادرا من الغير، فيحرم أن اعين غيري على الحرام، و لا معنى لحرمة أن اعين نفسي على الحرام، و المفروض في المقام أن المقدمات و الحرام صادران معا مني لا أن المقدمات مني و الحرام من غيري.
على أن قاعدة حرمة الإعانة ليست تامة في نفسها، فإن المحرّم بمقتضى قوله تعالى: وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ هو التعاون على الحرام لا الإعانة على الحرام، فاشتراك جماعة في تحقيق الحرام بحيث يكون منتسبا إليه جميعهم هو التعاون، و هو المحرّم، أما أن يكون الحرام صادرا من الغير و منتسبا إليه فقط، و أنا تصدر مني المقدمة دون أن ينتسب الحرام إليّ فهو إعانة و ليس تعاونا.
الثاني: ما الفرق بين مقدمات الواجب حيث حكم بوجوبها أجمع و بين مقدمات الحرام حيث لا تحرم إلّا المقدمة الأخيرة؟
و الجواب: إن ذلك باعتبار أن المطلوب في الواجب هو الوجود، و وجود الشيء يتوقف على وجود جميع مقدماته، و هذا بخلاف الحرام، فإن المطلوب فيه هو الترك، و ترك الشيء لا يتوقف على ترك جميع مقدماته، بل على ترك واحدة منها.