كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٥٥٥ - تفصيل المحقق الأردبيلي
و في مقام التعليق على التفصيل المذكور ذكر قدّس سرّه أنه لا معنى لتحكيم العرف في مسألة الجواز و الامتناع، بل الحاكم الوحيد في ذلك هو العقل، فهو الذي يحكم بالجواز و هو الذي يحكم بالامتناع، و لا مجال للعرف في ذلك، و إنما مجاله تحديد مفاهيم و مداليل الألفاظ، فنرجع اليه ليحدّد لنا مدلول اللفظ و مفهومه، و لا معنى لأن يحكم بالاستحالة و الإمكان.
نعم قد يوجّه مقصود الأردبيلي في التفصيل المذكور بأحد وجهين:
١- ما تقدمت الإشارة إليه سابقا، و هو أن الشيء الواحد إذا كان له عنوانان فالعرف بنظرته المسامحية يراه شيئا واحدا، و لازمه عدم إمكان توجّه الأمر و النهي معا إليه، و هذا بخلاف العقل فإنه يراه شيئين، و لازمه إمكان توجّه الأمر إلى أحدهما و النهي إلى الآخر.
إنه لو كان يقصد من الامتناع العرفي هذا المعنى فهو وجيه، فالعرف يرى الامتناع بمعنى أنه يعتقد بكون الشيء الواحد ذي العنوانين شيئا واحدا و ليس اثنين، فيلزم امتناع توجّه الأمر و النهي إلى ذلك الشيء الواحد ذي العنوانين.
و لكن رغم هذا يمكن أن يناقش الأردبيلي- لو كان هذا مقصوده- بأن العرف إنما يصار إليه و يقبل نظره فيما إذا فرض أن العقل لم يخالفه، أما إذا خالفه- كما هو الحال في المقام- فالمتّبع نظر العقل، و لا معنى لأن يصار إلى العرف، و بالتالي لا معنى لأن يحكم بالامتناع عرفا.[١]
[١] من خلال هذا نكون قد اطلعنا على قاعدتين:
١- إن العرف لا يرجع إليه في إثبات الاستحالة و الإمكان بل في تحديد مفاهيم الألفاظ فقط.
أما لما ذا يرجع إلى العرف في تحديد مفاهيم الألفاظ؟ ذلك لأن مثل الإمام عليه السّلام إنسان عرفي قد صدر منه ألفاظ عرفية إلى ناس عرفيين فلا بدّ أن يفسّر مراده على طبق ما يفهمه العرف.-- و أما أنه لا يرجع إليه في إثبات الاستحالة و الإمكان فذلك لعدم الدليل على حجية نظره في المجال المذكور.
٢- إن العرف بعد تحديده لمفهوم اللفظ فلا يرجع إليه في تحديد المصداق، و ذلك لأن حجية نظره فيما زاد على تحديد مفهوم اللفظ يحتاج إلى دليل، و هو مفقود.