كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٢٨٦ - دليل أبي الحسن البصري على وجوب المقدمة
و حين جواز ترك المقدمة، فإن جواز ترك السفر من دون تركه بالفعل لا يوجب المحذورين المتقدمين، فالمكلف إذا جاز له ترك السفر و لكنه لم يتركه، بل أتى به فلا يلزم محذور التكليف بما لا يطاق و لا محذور سقوط الوجوب بلا مبرر.
و بعد هذين الاصلاحين أخذ قدّس سرّه بالجواب و ذكر ما حاصله: إنه ذكر في المقدمة الأولى أن السفر إذا لم يجب لجاز تركه- أي لم يمنع من تركه شرعا- و نحن نسأل ما ذا يراد من جواز الترك فهل المقصود لجاز تركه شرعا فقط أو أن المقصود لجاز تركه شرعا و عقلا؟
فإن كان المقصود هو الأوّل فنلتزم آنذاك بالمحذور الثاني، أو بالأحرى لا نرى محذورا في الالتزام به، إذ مع جواز ترك السفر شرعا و عدم المنع منه يبقى حكم العقل بلزوم الإتيان به على حاله، فالعقل يحكم بضرورة الإتيان به حتّى يدرك الحج، و مع حكم العقل المذكور لو فرض أن المكلف ترك السفر إلى أن حلّ وقت الحج و لم يمكنه الذهاب كان عاصيا و كان سقوط وجوب الحج سقوطا بسبب العصيان، إذ كان يمكنه أداء الحج و لكنه عجّز نفسه بسوء اختياره، و الالتزام بسقوط الأمر بسبب العصيان أمر لا محذور فيه، و إنما المحذور في سقوطه بلا مبرر، و لذا قيل: إن الحكم يسقط بالامتثال مرة و بالعصيان أخرى.
هذا إذا كان المقصود هو الأوّل.
و إن كان المقصود هو الثاني فلا نسلّم بالمقدمة الأولى، أي لا نسلّم أنه لو لم تجب المقدمة لم يكن منع من تركها شرعا و لا عقلا، بل ندّعي وجود منع من تركها عقلا و إن لم يكن منع شرعا، فإن العقل يحكم بضرورة الإتيان بها لكي لا يتحقق ترك الواجب، فهو يرشد إلى وجوبها.