فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٦٢٦ - الأمر الأول في معنى النفي
و أمّا ما ذكره ابن زهرة بقوله: «نفوا من الأرض بالحبس، أو النفي من مصر إلى مصر، كلّ ذلك بدليل الإجماع من الطائفة عليه»[١] و كذا نحوه الذي ذكره أبو الصلاح الحلبيّ و الكيدريّ رحمهما الله من دون ادّعائهما الإجماع[٢]، فهو و إن كان يتطرّق فيه احتمال إرادة هذا المعنى، إلّا أنّه يمكن أن يقال: إنّ التعبير بمثل: «من مصر إلى مصر» يفيد النفي من كلّ مصر يقصده إلى آخر، نظير ما مرّ في المعنى الثاني.
د أن يخرج من البلد الذي كان فيه إلى بلد آخر و يسجن فيه إلى أن تظهر توبته؛ و هذا قول مالك كقوله في الزاني.
ه المراد منه هو الحبس و السجن، لأنّ فيه نفياً عن وجه الأرض و خروجاً عن الدنيا مع قيام الحياة، كما نقل عن صالح بن عبد القدّوس- و قد حبس على التهمة بالزندقة في حبس ضيّق و طال حبسه- أنّه قال:
خرجنا من الدنيا و نحن من أهلها فلسنا من الأحياء فيها و لا الموتى
إذا جاءنا السجّان فيها لحاجة عجبنا و قلنا: جاء هذا من الدنيا[٣] و لأنّ النفي من الأرض حقيقة غير ممكن، إذ كلّ مكان يرسل هو إليه يكون من الأرض لا محالة، فالمراد جعله بحيث لا يتمكّن أن يتصرّف فيها تصرّف الأحياء، فينطبق قهراً على الحبس.
و بهذا المعنى يأخذ الحنفيّون، و هو الراجح في مذهب الشافعيّ، و لكنّ الأولى عندهم أن يكون في محلّ آخر، مثل ما مرّ عن مالك.
و قد ظهر ممّا نقلنا في المعنى الثالث عن الحلبيّين و الكيدريّ رحمهم الله أنّهم ذهبوا إلى التخيير بين الحبس و النفي.
[١]- غنية النزوع، صص ٢٠١ و ٢٠٢.
[٢]- راجع: الكافي في الفقه، ص ٢٥٢- إصباح الشيعة، ص ١٨٩.
[٣]- معجم الأدباء، ج ٣، صص ١٥٤ و ١٥٥.