فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٥٩٤ - و أما المسألة عند فقهاء العامة،
بغير بيّنة وجهان محتملان، أحدهما: تقبل ليكون ذلك شبهة تسقط بها الحدود، و الثاني:
لا تقبل إلّا ببيّنة عادلة تشهد لهم بالتوبة قبل القدرة عليهم، لأنّها حدود قد وجبت، و الشبهة ما اقترنت بالفعل لا ما تأخّرت عنه.»[١] و قال ابن قدامة الحنبليّ في شرح قول الخرقيّ: «فإن تابوا من قبل أن يقدر عليهم سقطت عنهم حدود اللَّه تعالى و أخذوا بحقوق الآدميّين من الأنفس و الجراح و الأموال إلّا أن يعفى لهم عنها» ما هذا لفظه: «لا نعلم في هذا خلافاً بين أهل العلم؛ و به قال مالك، و الشافعيّ، و أصحاب الرأي، و أبو ثور. و الأصل في هذا قول اللَّه تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»؛ فعلى هذا يسقط عنهم تحتّم القتل و الصلب و القطع و النفي، و يبقى عليهم القصاص في النفس و الجراح و غرامة المال و الدية لما لا قصاص فيه. فأمّا إن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه شيء من الحدود لقول اللَّه تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ» فأوجب عليهم الحدّ ثمّ استثنى التائبين قبل القدرة، فمن عداهم يبقى على قضيّة العموم، و لأنّه إذا تاب قبل القدرة فالظاهر أنّها توبة إخلاص، و بعدها الظاهر أنّها تقيّة من إقامة الحدّ عليه، و لأنّ في قبول توبته و إسقاط الحدّ عنه قبل القدرة ترغيباً في توبته و الرجوع عن محاربته و إفساده، فناسب ذلك الإسقاط عنه، و أمّا بعدها فلا حاجة إلى ترغيبه، لأنّه قد عجز عن الفساد و المحاربة.»[٢] و قال عبد القادر عودة: «و المراد بما قبل القدرة أن لا تمتدّ إلى المحارب يد الإمام، فإن تاب بعد أن امتدّت إليه يد الإمام لم تعتبر التوبة قبل القدرة، و لو كان هارباً أو مستخفياً أو ممتنعاً. و يعتبر المحارب تائباً إذا أتى الإمام طائعاً قبل القدرة عليه ملقياً سلاحه و إن
[١]- الأحكام السلطانيّة، ج ٢، ص ٦٤.
[٢]- المغني و يليه الشرح الكبير، ج ١٠، صص ٣١٤ و ٣١٥.