فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٣٣ - الأمر الثالث في اشتراط ارتفاع الشبهة
و الظاهر أنّ وجه عدم قطع اليد في الفرعين المذكورين و نظائرهما، هو عدم صدق عنوان السرقة، حيث إنّ السرقة من العناوين القصديّة، و القصد يتوقّف على العلم، فمن لا يعلم أنّ المال للغير و يزعم أنّه ماله، فلا يكون عمله مصداقاً للسرقة. بعبارة أخرى يعتبر في صدق السرقة أمران، الأوّل: أخذ مال الغير، و الثاني: أن يتوفّر لدى الآخذ القصد الجنائيّ، بأن يقصد الجاني أخذ الشيء بقصد التملّك من دون علم المجنيّ عليه و رضاه، مع علمه أنّ أخذه محرّم.
و على هذا لا فرق فيما ذكره الماتن رحمه الله في الفرعين من الحكم بعدم جواز قطع اليد، بين أن يكون مراده من التوهّم و الظنّ الواقعين في كلامه، القطع المخالف للواقع أو الأعمّ منه و من الظنّ المصطلح و الشكّ والوهم، و ذلك لعدم وجود القصد الجنائيّ و عدم صدق السرقة في جميع الصور المذكورة.
نعم، لو فرض صدق السرقة بمجرّد الأخذ من دون إذن المالك و عدم مدخليّة القصد الجنائيّ في تحقّق معناها، فحينئذٍ يدرأ عنه الحدّ لمكان الشبهة، من غير فرق في ذلك أيضاً بين كون المراد من التوهّم العلم و الاطمئنان أو الظنّ أو الاحتمال، و ذلك لما ذكرناه في تبيين قاعدة درء الحدود بالشبهات مبسوطاً في مبحث مقدّمات الحدّ و التعزير[١].
و على ما اخترناه هناك، فتشمل القاعدة جميع الصور المفروضة المذكورة هنا، فلا موجب لقطع اليد فيها. و أمّا بناءً على ما اختاره بعض من عدم شمول أدلّة قاعدة الدرء لصورة الظنّ و الشكّ والوهم و اختصاصها بصورة القطع بالمخالف، فلا تشمل المقام طبعاً؛ قال المحقّق الخوانساريّ رحمه الله: «و قد يُتمسّك بأنّ الشبهة دارئة، و يستشكل بأنّ ما هو المعروف أنّ الشبهة دارئة للحدود، و الكلام في المقام ليس في الحدّ، بل فيما يعدّ تعزيراً أو تأديباً، مضافاً إلى أنّ الشبهة دارئة إذا كانت من جهة القصور، و مع التوجّه و حصول الشكّ
[١]- راجع: الجزء الأوّل من هذا الكتاب، صص ٨٤- ٩٨.