شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ٧٤ - ب أوضاع العراق من الناحية الاجتماعية والثقافية والتوزيعالجغرافي
القيمة في النفوس، هو تكرار التجارب التاريخية([٦٧])، ففي الظروف القاسية التي كانت تعصف بخيرات البلاد نتيجة الحروب والمنازعات الداخلية، أو نتيجة الكوارث الطبيعية المدمرة لمشاريع الري، «كان طبيعياً، تحت ظروف كهذه أن تكون القبيلة هي التنظيم السياسي والاجتماعي التي يمكن أن يعيش في ظله الأفراد، وأن يمنح هؤلاء الأفراد إخلاصهم وولاءهم لذلك التنظيم لا غيره»([٦٨]).
وربما كانت من الحكمة والمصلحة أن يترك السلطان سليمان القانوني (٩٠٠ - ٩٧٤هـ، ١٤٩٤ - ١٥٦٦م) مساحة من إدارة العشائر لأمر شيوخها - كما مرّ معنا سابقاً - إلاّ أن الملاحظ في الأمر، أن لغة التعامل بين السلطات العثمانية والعشائر كانت تشكو من الضعف، لعوامل ذاتية وموضوعية لسنا في صددها الآن، ولكن بالنتيجة دفعت العشائر إلى حالة البناء الذاتي - اقتصادياً واجتماعياً - داخل العشيرة الواحدة، هذا من جانب، ومن جانب ثانٍ توسعت صيغة التحالفات والاتحادات العشائرية ما بين العشائر المتعددة، وذلك للوقف أمام الحالات الطارئة. وبالفعل كانت العشائر تعيش هاجس الخوف من غزو وبطش العشائر الكبيرة، وبالمقابل هذه العشائر الكبيرة كانت تشعر بضرورة التحالف مع العشائر الصغيرة وذلك لتوحيد الموقف الداخلي للعشائر في صدّ الحملات العسكرية التابعة للسلطات المركزية التي تحاول بسط نفوذها في المناطق العشائرية بشكل مطلق، لغرض إرغامها على دفع الضرائب، فلذلك تشكلت تحالفات قبلية واسعة بزعامة شيخ عام يدعى (شيخ المشايخ). وذلك من أجل تحقيق المصالح المشتركة فيما بين العشائر، والتي تعجز عن تحقيقها العشيرة بشكل منفرد، فأصبحت القبائل المتحالفة في موضع المجابهة الدائمة للسلطات
[٦٧] للتفاصيل راجع: نوار، عبد العزيز سلمان: المرجع السابق، ص١٠. وكذلك الرهيمي، عبد الحليم: مرجع سابق،ص٤٣.
[٦٨] فياض، د. عبد الله: الثورة العراقية الكبرى سنة ١٩٢٠، طبع بغداد ١٩٦٣،ص٤٥.