شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ١٣ - مقدمة المؤلف
وعزماً واثقاً بالإرادة الذاتية القادرة عبر تلك البصائر من بناء الحياة السعيدة في المدينة الفاضلة التي يبحثون عنها يقول تعالى:
(..الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا..)
وهنا أتذكر مقولة (لاندريه بالرو) الكاتب الفرنسي الشهير ووزير ثقافة (ديغول) في هذا الصدد يؤكد من خلالها بأن الحضارة الغربية تحتضر، وعندما يظهر البديل فستنهار. من هنا كان لابد للدراسات الهادفة أن تغور إلى أعماق الواقع التاريخي - قديماً وحديثاً - لتكتشف أسرار العظمة في تاريخ الشعوب الإسلامية، ومنابع القوة للوعي الإسلامي والإيماني. ومن ثم تقدّمها كتجارب غنّية ترفد بها المسيرة الإسلامية المعاصرة، وترمّم نواقصها. وكان من المفروض أن تأتي هذه المحاولات متقدّمة على المساعي السرابيّة في توجيه أحداث التاريخ، بقَلب الموازين، وطمس الحقائق لصالح (الأيديولوجيات) التي يتبناها أصحاب تلك المحاولات سعياً من طرفهم لتشكيل الخلفية التاريخية لمنطلقاتهم الفكرية ورؤاهم السياسية. والمتتبّع لنتاج الباحثين في التاريخ السياسي في العراق يكشف بوضوح محاولات عديدة لتجيير أحداث التاريخ، بتفسيرها تفسيراً تحميلياً على ضوء التوجّهات السياسية، المصلحية والحزبية - أحياناً - والعصبيّات القومية والمحلية - غالباً - كل ذلك على حساب المسلمين الواعين وحركتهم السياسية.
إن دراستنا - هذه - محاولة جادة في هذا الاتجاه الذي عانى ولا يزال يعاني من تلك المحاولات القسْرية. فهي إذن خطوة - أرجو أن تكون متقدّمة - تضاف إلى جانب الخطوات الإيجابية الأخرى في هذا المضمار. هدفها استرجاع الحق إلى نصابه وإعادة المياه إلى مجاريها، وذلك عبر تحرير الوقائع التاريخية من القيود المصلحية الضيقة، وأغلال العصبيّات المحلية والإقليميّة والقوميّة، لتعيش في رحاب الإسلام الذي تكمن فيه أسرار قوة الشعوب، وطموحات الإنسان والمجتمع الإنساني في بناء حياة كريمة عزيزة.