شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ١٦ - مقدمة المؤلف
تمزيق وحدة الصف الإسلامي، وتحطيم قوة الإسلاميين عبر توجيه ضربة قاصمة للعلماء المراجع لتجميد دورهم السياسي بإبعادهم عن الوطن تحت ذرائع واهية، وفي الوقت ذاته، تم تشتيت امتداداتهم في العمق الشعبي الواسع داخل أوساط العشائر وأبناء المدن معاً، وبالفعل تعددت الأسباب، وتلونت الأساليب من قبل سلطات الاحتلال البريطاني والحكومات المحلية، لنيل الهدف المشترك وهو إنهاء دور الإسلام والإسلاميين من الحياة السياسية. إلا أن الذي نؤكده هنا هو أن الإسلاميين بقيادة العلماء المراجع بلغوا قمة التحدي في مواجهة تلك المحاولات بدرجة كبيرة. ولكن، يبقى أن نشير إلى أن الدوائر الاستعمارية بالرغم من فشلها وانكسارها، لم تنسحب من المعركة تماماً، وإنما سعت جاهدة لتغيير أساليبها الإدارية التي تظهر تنازلات شكلية من الممكن أن تخدع بها التيار الاجتماعي العام، ومن ثَمّ يتمُّ إبعاد القيادة الإسلامية الواعية عن ساحتها الجهادية، ليتسنى للدوائر الاستعمارية تمرير المؤامرة.
نعم هذا هو الذي حصل في العراق!! إبّان فترة الانتداب البريطاني، بعد ثورة العشرين المجيدة. فتراجع التحرك السياسي الإسلامي إثر تراجع العلماء المراجع على ضوء التعهدات الخطّية بعدم التدخل في الشؤون السياسية في العراق لقاء عودتهم إليه من المنفى، بينما توافرت الأسباب المشجّعة لتحريك غير الإسلاميين ليحتلوا مواقع التحرك السياسي في البلاد - حاكمين ومعارضين - كما سنرى ذلك في تطور الأحداث.
إنّ البحث في تلك المعطيات مسؤولية جسيمة بقدر ما هو أمانة تاريخية أيضاً لذلك عشت مع معظم البحوث والدراسات المختلفة لتلك المرحلة، مستنطقاً بعض الأحداث الخطيرة، رادّاً على بعض التوجيهات ذات الأغراض الخاصة، مناقشاً بهدوء وموضوعية الآراء التحميليّة الساعية لتجيير أحداث التاريخ لمصلحتها السياسية.