شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ١٥ - مقدمة المؤلف
الشجاعة المبدئية في التعامل معها. هذه الحالة وفّرت مناخاً إيجابياً لنمو وتبلور الرؤى الحركية إلى مستوى النضوج لدى العراقيين، مما أدى إلى استيعابهم مفاهيم النهوض والثورة بما يتناسب مع ظروف تلك المرحلة.
إن هذا الوعي المتمّيز الذي برز لدى العلماء المجاهدين، وهم في قمّة حركة المعارضة السياسية، مكّنهم من توظيف طاقات الأمة نحو المواجهة والمقاومة والثورة ضد مشاريع السيطرة الاستعمارية، وذلك عبر إصدار الفتاوى الجهادية، والتصدي الميداني لقيادة الأمة. هذه الفتاوى الدينية التي هي بالإضافة إلى كونها تحمل روح الموقف المبدئي المعارض لسياسة الاستعمار، فإنّها تكشف عن النظرة الثاقبة لدى العلماء القادة نحو مسلسل الأحداث المتعاقبة، التي تستهدف مصير العباد والبلاد.
وبالفعل جاءت فتوى الجهاد محققةً لطموحات الأمة الواعية، لذلك هبّ شعب العراق مستجيباً لها، حاملاً راية الجهاد ضد الإنكليز الغزاة منذ بداية احتلال العراق عام ١٩١٤م. هذا وقد تطور الوضع إلى ثورة النجف ١٩١٨م، ومن ثَمّ برز الإمام الشيخ محمد تقي الشيرازي (المتوفى سنة ١٣٣٨هـ- ١٩٢٠م) في موقع القيادة، ففجّر ثورة العشرين الشاملة، كتتويج للمسيرة الجهادية ميدانياً.
بينما استمرت محاولات الإسلاميين الجادة في رفض مشاريع الاستيلاء والسيطرة الاستعمارية على شعب العراق، في مراحل العمل السياسي التي تلت ثورة العشرين حيث وقفت المعارضة الإسلامية ضد مشروع الانتداب البريطاني بكامل ثقلها، واستمرت في مواقفها وجهادها حتى نال العراق استقلاله الرسمي عام ١٩٣٢م. بالرغم من كافة محاولات سلطات الاحتلال والحكومات المحلية المتعاقبة - آنذاك - نحو تضيق دور العلماء الأعلام والتحرك الإسلامي الواعي، وحصر فعاليات الإسلاميين في زوايا المساجد والحوزات والحسينيات والكتاتيب والتكيات. وكذلك سعت تلك المحاولات نحو