شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ٢٢٢ - تقويم الأطروحةالإصلاحية
الفكري الراهن»([٣٥٧]).
ومع هذا يمكن القول، أن غياب الصيغة الواضحة لتحرك الإسلاميين على المستوى السياسي بالتحديد في تلك المرحلة (١٩٠٨-١٩١٤م، ١٣٢٦-١٣٣٢هـ)، وعدم تبلور الأطروحة الإصلاحية منذ بدايتها عملياً، بل وسيادة الحالة النقدية في الشارع العراقي للتجربة الإسلامية القائمة، المتمثلة بالدولة العثمانية، كل ذلك وفرّ مناخاً خاصاً لدى بعض المفكرين والمثقفين والشعراء على السلوك المتأرجح بين التوجه العلماني والتوجه الإصلاحي الإسلامي، في حين كان التوجه العلماني يستمد قوته من مثله الأعلى المتجسد بالتطور العلمي و(التكنولوجي) في الغرب، بينما كان الإصلاحيون الإسلاميون يشتركون مع التوجهات القومية والعلمانية في نقطة النقد ويختلفون معهم في تفاصيلها وطرق معالجتها، فكان الاصلاحيون الإسلاميون يطالبون بالإصلاحات الدستورية للنظام القائم في تلك المرحلة، كما كانوا يستمدون قوتهم من تاريخ المسلمينالأوائل.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن الشعراء بشكل عام، تتحكم في أحاسيسهم المرهفة أوضاع الساحة والانعكاسات السياسية التفصيلية، وربما الاصطدامات الشخصية ببعض الوقائع الخاصة، فلا يمكن الاعتماد عليها مطلقاً في التوجّه الفكري. وللتوضيح نذكر، الشاعر معروف الرصافي (١٨٧٥-١٩٤٥م) كمثال على هذه الحقيقة، فهو يذهب مرة إلى أن الدين ليس هو الوحي الإلهي المنزل، بل هو ابتداع من عقلاء ودهاة البشرفيقول:
ولستُ من الذين يرون خيراً *** بإبقاء الحقيقة في الخفاء
ولا ممن يرى الأديان قامت *** بوحيٍ، منزلٍ للأنبياء
ولكن هُنّ وضعٌ وابتداعٌ *** من العقلاء أرباب الدهاء([٣٥٨])
[٣٥٧] الموسوي، محسن: آفاق المستقبل في العالم الإسلامي، مرجع سابق،ص٢٢.
[٣٥٨] شراره، عبد اللطيف: الرصافي دراسة تحليلية، من سلسلة شعراؤنا رقم ٢، طبع بيروت (غير مؤرخ) ص٢٠.