شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ٣٥٢ - (جمعية النهضة الإسلامية) والتطورات الحركية في النجف الأشرف
وهنا يمكننا أن نتساءل هل كان في استطاعة الإنكليز أن يتفادوا حادثة حصار النجف؟ وهل عرفوا إلى أين سيجرهم هذا الحصار؟ ومن هم الأشخاص الذين كانوا يُسدون لهم المشورة والنصح في طريقة معاملتهم مع أهل النجف؟ يقول النفيسي: «نحن نعتقد، أنه كان في إمكان السلطة البريطانية أن تتفادى حصار النجف المفجع، لو انه قيّض لها أن تتصل بمستشارين يعرفون العقلية الشيعية[!]، وأنهم كانوا حسني الإطلاع على النجف، وطبيعة أهلها، ولكن كان مستشارهم وناصحهم السيد مهدي سلمان، والسيد محمد المحيسين، وهما من زعماء تجار الاحتكار، ولم يكن رفع الحصار، أو تشديده يعنيان شيئاً بالنسبة إليهما، إلاّ بقدر ما كانا يدرّان لهما من ربح في بيع تمور البصرة، أو حنطة الحلّة التي كانت تتكدس في عنابرهم (مخازنهم). فانه عندما فرغت عنابر السيد مهدي سلمان، مما تكدس فيها من طعام، أظهر ميلاً إلى الاستسلام إلى الإنكليز، ورفع الحصار.. كذلك السيد محمد المحيسين فانه أقنع (ليشمان)، بأنه إذا عضدته الحكومة البريطانية بالمال، فإنه يستطيع أن يدخل النجف على رأس جماعة من أعوانه، بدعوى انه قادم إليها لمعاضدة النجفيين ومساندتهم في مقاومتهم، ولكن الغرض الحقيقي من خديعته هذه، هو تنظيم حركة مقاومة، مناوئة للحركة النجفية. وعندما اتصل (ليشمان ببلفور)، ونقل إليه اقتراح محمد المحيسين، ارتاح إلى الفكرة ووافق عليها، فانه إذا وضع هذا الاقتراح موضع التنفيذ، لكانت وقعت داخل النجف حرب أهلية دامية، وإذا اضطر الإنكليز إلى قمعها، فإنّه يتوجب عليهم أن يتشدّدوا في اجراءاتهم الحربية، وفي إحكام الحصار، مما يعود على المحيسين بالأرباح الطائلة نسبة إلى ما كان عنده من الطعام المحتكر..»([٦٢٨]). إذن هنالك خلل في تصورات الإدارة البريطانية، وربما يكون متعمداً، لإحكام سيطرتهم عبر البندقية والمدفع. ففي مثل حادثة قبيلة عنزة وقضية الحبوب يمكن القول «إن حسن العلاقات بين بريطانيا والشيعة، أهم بكثير من
[٦٢٨] النفيسي، عبد الله: المرجع نفسه،ص٦٦.