شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ١٠٣ - ثانياً الاصطدام بالقوميات غير التركية عموماً، وبالقومية العربية على الخصوص
بأن سياسة التتريك شكّلت عاملاً مهماً من عوامل استثارة الوعي القومي العربي ونهوضه، أواخر العهد العثماني، على عكس المراحل الأولى من العهد العثماني، فقد كان الالتزام بالشريعة الإسلامية من قِبل الدولة، يفرض احترام أبناء القوميات الأخرى، ويشعرهم بالمساواة أمام القانون الإسلامي. إن هذا الاختلاف بين الموقفين المتعاكسيْن يدعو الباحثين إلى التفريق بين السياسة العثمانية، في بدايتها، عن سياستها أواخر عهدها، «ففي الفترات الأولى من الحكم العثماني، عومل العرب بالكثير من الاحترام، وكانت الدولة العثمانية قائمة على أسس اللامركزية، وبقيت كذلك حتى أواخر القرن الثامن عشر.. (فقد كان العثمانيون) يعتبرون أنفسهم مسلمين أولاً وقبل كل شيء، وكانوا ينظرون النظرة ذاتها إلى (الدولة) بمجموعها (من حيث الحروب والمناصب)..»([١١٧]). ولكن حينما اتبعت سياسة التتريك، بدأت مطالبة العرب بالحقوق القومية ونمت شيئاً فشيئاً إلى درجة الانفصال عن الدولة العثمانية. ومن المؤكد أن المسألة ليست عبثية، حيث أوصلت الأمة الإسلامية إلى درجة التفكك والاندحار، وإنما كانت مؤامرة دقيقة حيكت خطوطها بأيدٍ صهيونية صليبّية معادية في عواصم أوروبا، حيث كانت منتشرة بكل قواها لتحطيم الدولة العثمانية، وغزو المسلمين في عقر ديارهم. وذلك عبر البعد الاستراتيجي لهم داخل المسلمين، وهم الاقليات الدينية، بالإضافة إلى الذين حملوا أفكارهم، واصبحوا جسوراً لعبور جيوش الغرب إلى مناطق المسلمين، وبالتالي ليحقق الغرب أحلامه في السيطرة واستغلال الثروات. فلذلك حرصت أوروبا وبريطانيا بالتحديد «على التعاون مع الاقليات في الدولة العثمانية، لاسيما اليهود من ذوي النفوذ، بالإضافة إلى العملاء المحليين والأجانب على السواء. ويتحدث (مصطفى كامل) - الزعيم المصري - عن هذه الحقيقة فيقول: «لقد دخل في جسم الدولة كثير من
[١١٧] نظمي، د. وميض: الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية، مرجع سابق، ص٦٢-٦٣.