شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ٥٨ - ٢ تطور السياسية العثمانية - داخلياً وخارجياً - (نظرةعامة)
كانت هذه النظرة عامة عن تطور العامل الداخلي، أما العامل الخارجي المتلخص في محاولات تدخل الدول الأجنبية الطامعة في شؤون بلاد المسلمين، فقد كان هذا العامل في بداية أمره تحت ذريعة حماية حقوق المسيحيين في الدولة العثمانية، إلاّ أنه سرعان ما اتضحت أهدافهم الاستعمارية. يقول محمد فريد بك:
«يرى القارئ تعصب الدول لحماية المسيحيين بالدولة (العثمانية)، مع أنه لو تدخلت الدولة (العثمانية) في شؤون إحداها وطلبت من فرنسا مثلاً، عدم التعرض لما يمس الأمة الإسلامية بالجزائر، أو مساواة المسلمين بها بالمسيحيين واليهود، لشدّدوا النكير عليها ورموها بالتعصب الديني، المتصفين هم به دون غيرهم. ولكن هي القوة، قضى التمدن الغربي الحديث أن تسود على كل حق تحت راية الإنسانية والمساواة، وما هي إلاّ ألفاظ لا معاني لها إلاّ فيما يلائم مصالحهم»([٤١]).
وذلك بدليل أن الدول الأوروبية المتحالفة، حينما لمست حالة الضعف في الدولة العثمانية أواخر عهدها، بدأت سلسلة من الاجتماعات والاتفاقيات فيما بينها ظاهرها مصالح إنسانية معينة، كتحسين أحوال النصارى في الدولة العثمانية، وإجراء إصلاحات في البوسنة والهرسك، إلاّ أنها تضمر نوايا استعمارية، ظهرت على السطح فيما بعد. فمثلاً (بروتوكول) لندن([٤٢]) الذي تمّ فيما بين الدول المتحالفة ضد الدولة العثمانية بتاريخ ٣١ مارس (آذار) ١٨٧٧م، ١٧ ربيع الأول ١٢٩٤هـ، وقد كانت هذه الدول المتحالفة تتقاسم الأدوار على ضوء مصالحها في المنطقة، وبالرغم من وجود حالة التنافس الاستعماري فيما بينها، إلاّ أنها تتفق في جامع مشترك واحد، ألا وهو القضاء
[٤١] فريد، محمد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، القاهرة ١٨٩٣م، ١٣١١هـ،ص٤١٦.
[٤٢] للمزيد من الاطلاع راجع: فريد، محمد: المرجع ذاته، ص٤١٤ وما بعدها، (ترجمة لائحة لندن وإعلان الحرب).