شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ١٨٣ - سيادة الحركة الإصلاحية في الساحةالإسلامية
إذن، ضمن هذه الأجواء المتدهورة كانت الطريق معبدة للأطروحة الإصلاحية لمقاومة الفساد الإداري والثقافي والاجتماعي في الإدارة القائمة وفي حالة الأمة. لذلك برز «عدد من المجتهدين وعلماء الدين في العراق، تحسسوا بالظروف الاجتماعية والسياسية التي يعيشونها فسعوا لإحداث تغيير اجتماعي وسياسي في الوسط الإسلامي لكي يتخلص من جموده ويواكب حركة السياسة العامة وتطوراتها لا سيما وأن الاتجاه الغربي بدأ يغزو البلاد الإسلامية ومنها العراق..»([٢٦٩]). وبالفعل انطلقت دعوات تجديدية إصلاحية متوازنة كانت تسعى إلى الاستفادة من التطور العلمي الحديث ضمن الأسس الإسلامية. ومن الطبيعي أن تصطدم هذه الدعوات بالواقع التقليدي السائد في الأمة - آنذاك-. ومع وجود هذه العقبة الكأداء، فقد شقت طريقها كاستجابة طبيعية لانعكاس التطور العام للحياة العصرية، وهكذا أثّرت الأجواء الإصلاحية على عموم الطبقة المثقفة في الأمة، فساهمت بطريقة أو بأخرى في مجال الإصلاح، ومما يذكر - كمثال على ذلك - لقد «قدم المحامي رؤوف آل كتخدا في الدورة الأولى للمجلس رسالة في الإصلاحات وهي لائحة أرسلها إلى النواب تحوي ٥٢ مادة.. ثم ألحقها بمواد أخرى.. ضمّها إلى لائحة الإصلاحات، فأكمل المواد فبلغت ٦٨ مادة.. فكانت خير وصية إصلاحية للقطر العراقي وللدولة»([٢٧٠]).
إلا أن علماء الدين والمثقفين الإسلاميين - في حركتهم غير الرسمية - كانت لهم ريادة الأطروحة الإصلاحية في الساحة، فمنذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، أثّر رواد الإصلاح في العالم الإسلامي على الساحة العراقية، أمثال السيد جمال الدين الأفغاني([٢٧١]) (١٨٣٨-١٨٩٧م)، وخلفه الشيخ محمد عبده (١٨٤٩-
[٢٦٩] شبر، حسن: المرجع السابق، ج٢،ص١٣٣.
[٢٧٠] العزاوي، عباس: المرجع السابق،ص١٦٨.
[٢٧١] يصف العلامة الشهيد مطهري، السيد جمال الدين بأنه (رجل الدين والثورة)، بينما يصف تلميذه وصديقه الشيخ محمد عبده بأنه (رجل الفكر والاعتدال). فكان يمتاز السيد جمال الدين «بمعـرفتـه الجيـدة بفـوارق واختـلاف وضـع (علمـاء) الديـن الشيعـة، و(علـمـاء) الـديـن السنـة، لأنه كان يعـرف المجتمـع السنـي والمجتـمـع الشيعي جيـداً. كـان يعلم بـأن أكثـر (علمـاء) الديـن السُّنـة ذلـك الوقت كانوا لا يسلكون سلوكاً مستقلاً أمام القوى الديكتاتورية والاستعمارية، وذلك لأنهم كانوا ينتمون إلى تلك الحكومات تحت عنوان (أولي الأمر). لذلك عندما كان يدخل الأفغاني في البلاد التي يعيشها السُّنة، لا يذهب إلى علمائها بل كان يذهب إلى المسلمين السُّنة، وأنه كان يعتقد بأن ليس (لعلماء) الدين امتيازاً عن بقية الفئات حتى يعتمد عليهم لمكافحة الدكتاتورية والاستعمار، ولكن يختلف ذلك عن (علماء) الدين الشيعة، حيث أنهم كانوا يشكلون قاعدة مستقلة وقوة وطنية، دائماً كانوا إلى جانب الشعب وضد الحكّام، ولهذا السبب عندما كـان الأفغـانـي يدخـل البلاد الشيعية كان يذهب إلى علماء دينها.. فهم القاعدة لمكافحة الدكتاتورية»، المطهري: المرجع السابق، ص٢٢-٢٣. وللمزيد من معرفة المقارنة والتقييم بين جمال الدين والشيخ عبده، والتفاصيل عن أفكارهما، راجع، المطهري: المرجع نفسه، ص١٩-٥٤.