أحكام الأطفال - جمع من المحققين - الصفحة ٤٤ - مذهب أهل السنّة في المسألة
و احتجّ الشافعي بقوله تعالى: (وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ) [١] أخبر عن إحلال النكاح و المحلّل و المباح من الأسماء المترادفة، و لأنّه قال (وَ أُحِلَّ لَكُمْ) و لفظ لكم يستعمل في المباحات، و لأنّ النكاح سبب يتوصّل به إلى قضاء الشهوة، فيكون مباحاً كشراء الجارية للتسرّي بها، و هذا لأنّ قضاء الشهوة ايصال النفع إلى نفسه، و ليس يجب على الإنسان إيصال النفع إلى نفسه، بل هو مباح في الأصل كالأكل و الشرب [٢].
و فيه ما لا يخفى على المتأمِّل؛ لأنّ هذه الجملة من الآية عطف على ما قبلها، التي وردت في بيان حرمة النكاح مع بعض النساء بقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ ... وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ...) [٣] فكأنّه قال اللَّه تعالى: أحللت لكم ما وراء ما ذكرنا [٤]. و هذا البيان لا ينافي استحبابه في نفسه، و مع قطع النظر عن اللواحق المتعلّقة به.
و احتجّ أصحاب الظاهر بدليلين:
الأوّل: الآيات و الروايات التي أمر فيها بالنكاح مطلقاً، و الأمر المطلق للفريضة و الوجوب قطعاً، إلّا أن يقوم الدليل بخلافه.
الثاني: أنّ الامتناع من الزنا واجب، و لا يتوصل إليه إلّا بالنكاح، و ما لا يتوصّل إلى الواجب إلّا به يكون واجباً [٥].
و يرد على الأوّل: أنّه قد قام الدليل من إجماع السلف و فقهاء الأمصار على أنّه لم يرد بها الإيجاب و إنّما هو مستحب، و لو كان واجباً لورد النقل بفعله من النبيّ صلى الله عليه و آله
[١] سورة النساء (٤): ٢٤.
[٢] بدائع الصنائع ٢: ٤٨٢.
[٣] سورة النساء (٤): ٢٣- ٢٤.
[٤] الجامع لأحكام القرآن ٥: ١٢٤.
[٥] بدائع الصنائع ٢: ٤٨٢- ٤٨٣.