موسوعة كربلاء - لبيب بيضون - الصفحة ٣٠٤ - ٣٥٦- قصة الغلامين من أولاد مسلم بن عقيل
لما قتل الحسين بن علي (عليه السلام) أسر من معسكره غلامان صغيران. فأتى بهما عبيد اللّه بن زياد. فدعا سجانا له، فقال: خذ هذين الغلامين إليك، فمن طيّب الطعام فلا تطعمهما، و من الماء البارد فلا تسقهما، و ضيّق عليهما سجنهما. فكان الغلامان يصومان النهار، فإذا جنّهما الليل أتيا بقرصين من شعير و كوز من ماء القراح. فلما طال بالغلامين المكث حتى صارا في السنة، قال أحدهما لصاحبه:
يا أخي قد طال بنا مكثنا، و يوشك أن تفنى أعمارنا، و تبلى أبداننا، فإذا جاء الشيخ فأعلمه مكاننا، و تقرّب إليه بمحمد (صلى الله عليه و آله و سلم) لعله يوسّع علينا في طعامنا و يزيدنا في شرابنا. فلما جنّهما الليل أقبل الشيخ إليهما بقرصين من شعير و كوز من ماء القراح. فقال له الغلام الصغير: يا شيخ أتعرف محمدا؟. قال: فكيف لا أعرف محمدا و هو نبيّي!. قال: أ فتعرف جعفر بن أبي طالب؟. قال: و كيف لا أعرف جعفرا و قد أنبت اللّه له جناحين يطير بهما مع الملائكة كيف يشاء!. قال: أفتعرف علي بن أبي طالب؟. قال: و كيف لا أعرف عليا و هو ابن عم نبيّي و أخو نبيّي!.
قال: أ تعرف عقيل بن أبي طالب؟. قال: نعم. قال له: يا شيخ فنحن من عترة نبيّك محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و نحن من ولد مسلم بن عقيل بن أبي طالب، بيدك أسارى، نسألك من طيّب الطعام فلا تطعمنا، و من بارد الشراب فلا تسقينا، و قد ضيّقت علينا سجننا.
فانكبّ الشيخ على أقدامهما يقبّلهما، و يقول: نفسي لنفسكما الفداء، و وجهي لوجهكما الوقاء، يا عترة نبي اللّه المصطفى. هذا باب السجن بين يديكما مفتوح، فخذا أي طريق شئتما!. فلما جنّهما الليل أتاهما بقرصين من شعير و كوز من ماء القراح، و وقفهما على الطريق، و قال لهما: سيرا يا حبيبيّ الليل، و اكمنا النهار، حتى يجعل اللّه عزّ و جلّ لكما من أمركما فرجا و مخرجا. ففعل الغلامان ذلك. فلما جنهما الليل انتهيا إلى عجوز على باب، فقالا لها: يا عجوز إنا غلامان صغيران غريبان حدثان، غير خبيرين بالطريق، و هذا الليل قد جنّنا، أضيفينا سواد ليلتنا هذه، فإذا أصبحنا لزمنا الطريق. فقالت لهما: فمن أنتما يا حبيبيّ، فقد شممت الروائح كلها فما شممت رائحة هي أطيب من رائحتكما؟. فقالا لها:
يا عجوز نحن من عترة نبيك محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، هربنا من سجن عبيد اللّه بن زياد من القتل.
قالت: يا حبيبيّ إن لي ختنا [و هو الصهر زوج البنت] قد شهد الوقعة مع عبيد اللّه بن زياد، أتخوّف أن يصيبكما ههنا فيقتلكما. قالا: سواد ليلتنا هذه، فإذا أصبحنا لزمنا الطريق. فقالت: سآتيكما بطعام، ثم أتتهما بطعام فأكلا و شربا. و لما و لجا الفراش، قال الصغير للكبير: يا أخي إنا نرجو أن نكون قد أمنّا ليلتنا هذه، فتعال