موسوعة كربلاء - لبيب بيضون - الصفحة ٥٨٩ - ٧١٤- سرّ السجود على تربة الحمزة و الحسين
فلقد ابتدأ ذلك بقتل سيد الشهداء حمزة، الّذي قضّ مضجع النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) حتى صلى عليه أربعين مرة، مع كل شهيد مرة. و لم يكتفوا بذلك حتى حاولت هند
أم معاوية أن تلوك كبد الحمزة بعد أن استخرجتها من صدره الشريف، فلم تستطع مضغها و بلعها، فلفظتها، و عملت من كبده أساور و خلاخل تزيّنت بها شماتة به، لأنه كان قد قتل أباها عتبة رأس الشرك و الكفر في معركة بدر.
ثم ختم ذلك بقتل أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) الّذي أخذ يزيد بقتله ثأر معركة بدر، فكان أكثر كفرا و إجراما من جدته هند و جدّه عتبة.
و كان قتل حمزة و الحسين (عليه السلام) محاولة من أعداء الإسلام لاستئصال دعوة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، فاتخذ المسلمون تربته شعارا يتبركون به و يستشفون بها، اعترافا بفضل الشهداء على الإسلام، و تخليدا لذكرى أنصار الإسلام و الذين ماتوا في سبيل اللّه.
و لما قتل الحسين (عليه السلام) لإحياء دين جده محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، اتخذ المسلمون تربته شعارا يسجدون عليها لله تعالى، ليتذكروا أنه لو لا الحسين (عليه السلام) لم تكن الصلاة لتقام إلى هذه الأيام. و كما قال المرحوم الشيخ عباس شرف في ديوانه:
لو لا وقوفك بالطفوف * * * لما وقفنا بالصلاة
فكلما سجد المصلي لله تعالى على هذه التربة، في مشارق الأرض و مغاربها، اخترقت أمام بصره و بصيرته تلك الحجب المادية الكثيفة، التي تحجب بينه و بين حقيقة الصلاة، التي هي معراج المؤمن، من حضيض المادة إلى سماء الحقائق، و عرج بروحه إلى الحضرة الإلهية مقتربا من اللّه ملتمسا عفوه و ثوابه.
و إلى مثل هذا الرأي يذهب أحد أساطين العلم في هذا الوقت، في سرّ السجود على تربة الحسين (عليه السلام) بقوله: و لعل من جملة المقاصد السامية أن يتذكر المصلي حين يضع جبهته على تلك التربة، تضحية ذلك الإمام بنفسه و آل بيته و الصفوة من أصحابه، في سبيل العقيدة و المبدأ، و تحطيم هياكل الجور و الفساد و الظلم و الاستبداد.
و لما كان السجود أعظم أركان الصلاة، و كما في الحديث: «أقرب ما يكون العبد إلى ربه حال سجوده» ناسب أن يتذكر المؤمن حال وضعه جبهته على تلك التربة الزاكية، أولئك الذين وضعوا أجسامهم عليها ضحايا للحق، و ارتفعت أرواحهم