موسوعة كربلاء - لبيب بيضون - الصفحة ٥٦٦ - ٦٨٢- خطبة الإمام زين العابدين
ثم قالت: أيها الناعي، جدّدت حزننا بأبي عبد اللّه (عليه السلام)، و خدشت منا قروحا لمّا تندمل. فمن أنت رحمك اللّه؟.
فقلت: أنا بشير بن جذلم، وجّهني مولاي علي بن الحسين (عليه السلام)، و هو نازل في موضع كذا و كذا، مع عيال أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) و نسائه.
قال بشير: فتركوني مكاني و بادروني، فضربت فرسي حتى رجعت إليهم، فوجدت الناس قد أخذوا الطرق و المواضع. فنزلت عن فرسي، و تخطيت رقاب الناس حتى قربت من باب الفسطاط [أي خيمة زين العابدين (عليه السلام)].
خطبة زين العابدين (عليه السلام) في أهل المدينة
و كان علي بن الحسين (عليه السلام) داخلا (الفسطاط) فخرج، و معه خرقة يمسح بها دموعه، و خلفه خادم معه كرسي، فوضعه له و جلس عليه، و هو لا يتمالك عن العبرة. و ارتفعت أصوات الناس بالبكاء، و حنين النسوان و الجواري، و الناس يعزّونه من كل ناحية. فضجّت تلك البقعة ضجّة شديدة.
٦٨٢- خطبة الإمام زين العابدين (عليه السلام) في أهل المدينة:
(مقتل الحسين للمقرّم، ص ٤٨٦)
فأومأ [الإمام زين العابدين (عليه السلام)] إلى الناس أن اسكتوا، فلما سكنت فورتهم قال (عليه السلام):
الحمد لله ربّ العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدّين، بارئ الخلائق أجمعين، الّذي بعد فارتفع في السموات العلى، و قرب فشهد النجوى. نحمده على عظائم الأمور، و فجائع الدهور، و ألم الفجائع، و مضاضة اللواذع [١]، و جليل الرّزء، و عظيم المصائب، الفاظعة الكاظّة، الفادحة الجائحة [٢].
أيها القوم، إن اللّه تعالى- و له الحمد- ابتلانا بمصائب جليلة، و ثلمة في الإسلام عظيمة، قتل أبو عبد اللّه الحسين (عليه السلام) و عترته، و سبيت نساؤه و صبيته، و داروا برأسه في البلدان، من فوق عامل السنان [٣]. و هذه الرزيّة التي لا مثلها رزيّة.
[١] اللواذع: المصائب المحرقة الموجعة.
[٢] الجائحة: الشدة التي تستأصل المال و غيره.
[٣] السّنان: هو رأس الرمح، و عامل السنان: ما يلي السنان.