موسوعة كربلاء - لبيب بيضون - الصفحة ٣٠٥ - ٣٥٦- قصة الغلامين من أولاد مسلم بن عقيل
حتى أعانقك و تعانقني، و أشمّ رائحتك و تشمّ رائحتي، قبل أن يفرّق الموت بيننا.
ففعل الغلامان ذلك، و اعتنقا و ناما. فلما كان في بعض الليل، أقبل ختن العجوز الفاسق، حتى قرع الباب قرعا خفيفا. فقالت العجوز: من هذا؟. قال: أنا فلان.
قالت: ما الّذي أطرقك هذه الساعة و ليس هذا لك بوقت؟. قال: ويحك افتحي الباب قبل أن يطير عقلي و تنشق مرارتي في جوفي، جهد البلاء الّذي قد نزل بي!.
قالت: ويحك ما الّذي نزل بك؟. قال: هرب غلامان صغيران من عسكر عبيد اللّه بن زياد، فنادى الأمير في معسكره: من جاء برأس واحد منهما فله ألف درهم، و من جاء برأسهما فله ألفا درهم، فقد أتعبت فرسي و تعبت و لم يصل في يدي شيء!.
فقالت العجوز: يا ختني غحذر أن يكون محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) خصمك في القيامة!. قال لها: ويحك إن الدنيا محرص عليها. فقالت: و ما تصنع بالدنيا و ليس معها آخرة؟.
قال: إني لأراك تحامين عنهما كأن عندك من طلب الأمير شيء، فقومي فإن الأمير يدعوك. قالت: و ما يصنع الأمير بي، إنما أنا عجوز في هذه البرية!. قال: إنما لي الطلب. افتحي لي الباب حتى أريح و أستريح، فإذا أصبحت فكرت في أي الطريق آخذ في طلبهما. ففتحت له الباب، و أتته بطعام و شراب، فأكل و شرب. فلما كان في بعض الليل سمع غطيط الغلامين في جوف الليل، فأقبل يهيج كما يهيج البعير الهائج، و يخور كما يخور الثور، و يلمس بكفه جدار البيت، حتى وقعت يده على جنب الغلام الصغير، فقال له: من هذا؟. قال: أما أنا فصاحب المنزل، فمن أنتما؟. فأقبل الصغير يحرّك الكبير، و يقول: قم يا حبيبي فقد و الله وقعنا فيما كنا نحاذره. قال لهما: من أنتما؟. قالا له: يا شيخ إن نحن صدقناك فلنا الأمان؟.
قال: نعم. قالا: أمان اللّه و أمان رسوله و ذمة اللّه و ذمة رسول اللّه؟. قال: نعم.
قالا: و محمد بن عبد اللّه على ذلك من الشاهدين؟. قال: نعم. قالا: و الله على ما نقول وكيل و شهيد؟. قال: نعم. قالا له: يا شيخ، فنحن من عترة نبيك محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، هربنا من سجن عبيد اللّه بن زياد من القتل. فقال لهما: من الموت هربتما و إلى الموت وقعتما. الحمد لله الّذي أظفرني بكما. فقام إلى الغلامين فشدّ أكتافهما، فبات الغلامان ليلتهما مكتّفين. فلما انفجر عمود الصبح، دعا غلاما له أسود يقال له (فليح) فقال: خذ هذين الغلامين، فانطلق بهما إلى شاطئ الفرات، و اضرب أعناقهما و ائتني برؤوسهما، لأنطلق بهما إلى عبيد اللّه بن زياد، و آخذ جائزة ألفي درهم. فحمل الغلام السيف فمضى بهما و مشى أمام الغلامين، فما مضى إلا غير بعيد حتى قال أحد الغلامين: يا أسود، ما أشبه سوادك بسواد (بلال).