موسوعة كربلاء - لبيب بيضون - الصفحة ٢٤٦ - مقدمة الفصل
و يشمت به و يقول: يوم بيوم بدر! .. و في هذا الجو الموبوء بالترّهات و الأضاليل، وقفت زينب (عليه السلام) تفرغ على لسان أبيها علي أمير المؤمنين (عليه السلام) كلمات الحق التي تفضح يزيد و أعمال ابن زياد، بشجاعة و إقدام، يوازي شجاعة أخيها الحسين (عليه السلام) و إقدامه في كربلاء. فأتمّت بذلك أهداف نهضته المباركة، في ذلك الموقف الّذي لا يجرؤ أحد فيه على التفوّه بكلمة واحدة. و لما تلاسن الإمام زين العابدين (عليه السلام) مع ابن زياد، همّ بقتله، فتمسكت به زينب (عليه السلام) و قالت: إذا أردتم قتله فاقتلوني معه، فبهتوا و تركوه. ثم حملوه مع السبايا إلى السجن. و منذ أن أتمّ الإمام زين العابدين (عليه السلام) رسالته في مجلس ابن زياد، كان على موعد بعد مقتل أبيه بثلاثة أيام، على العود إلى كربلاء بعيدا عن الأنظار، ليقوم بدفن جسد أبيه الحسين (عليه السلام) و أجساد البدور التمّ من بني هاشم، و الأقمار من أصحابهم. فوجد (عليه السلام) بني أسد هناك، و قد تنادوا لدفن القتلى، فأمرهم أن يحفروا حفرتين كبيرتين؛ إحداهما لدفن الآل، و الأخرى لدفن الأصحاب. أما جسد الحسين (عليه السلام) فقد كان ممزّقا أشلاء، فوضعه الإمام زين العابدين (عليه السلام) عليحصير، و حمله إلى لحده الّذي هيأه له، حيث أقره فيه، و أهال التراب عليه، و الملائكة أعوانه. ثم أمر (عليه السلام) بدفن سيدنا العباس (عليه السلام) في مكان استشهاده بالقرب من نهر العلقمي، بعيدا عن الحائر الحسيني. و لما شفى ابن زياد حقده من الرأس الشريف، و رؤوس الشهداء من أهله و أصحابه، أمر بها فطوّفت في سكك الكوفة و قبائلها. و كان الرأس الشريف و هو على السنان، يقرأ آيات القرآن، بأعذب لسان و أفصح بيان. ثم أمر ابن زياد بالرؤوس كلها فنصبت على الخشب، و هي أول رؤوس تصلب في الإسلام. و بعد أن قضى الإمام زين العابدين (عليه السلام) و السبايا عدة أيام في السجن، جاء الأمر من يزيد بتسيير السبايا و الرؤوس إلى دمشق، من أطول طريق مأهول بالناس، للتشهير بهم و تخويف الناس من أن يخرجوا عليه. و في تلك الفترة كان نعي الحسين (عليه السلام) قد وصل إلى المدينة المنورة، حيث كان الوالي عمرو بن سعيد الأشدق، الّذي شمت و اغتبط لمقتل الحسين (عليه السلام). بينما خرجت المدينة بقضّها و قضيضها تندب الحسين (عليه السلام) و تلطم الخدود عليه، ناهيك عن عبد الله بن جعفر و الحسن البصري و أم سلمة (رض) و أم لقمان بنت عقيل (عليه السلام).