موسوعة كربلاء - لبيب بيضون - الصفحة ٣٠١ - ٣٥٥- قصة الغلامين ولدي مسلم بن عقيل
و أما الغلامان فقد أكلا و شربا، و ولجا الفراش و ناما. فلما كان نصف الليل أقبل الرجل صاحب المنزل و اسمه الحارث بن عروة [و يجري على بعض الألسن أنه أخو هانئ بن عروة، و هو ليس بمعلوم]. دخل اللعين داره و هو مغضب، و قالت زوجته:
ما الّذي نزل بك؟. قال: قد كنت بباب الأمير فسمعت المنادي ينادي: إن مشكور السجّان أطلق من الحبس غلامين صغيرين لمسلم بن عقيل، من أتى بهما إلى الأمير فله جائزة سنيّة و قضاء حاجته. و إني ركبت على فرسي و ركضت في جميع الشوارع و المشارع و الطرق و السكك حتى انقدّ فرسي بطنه كانقداد البعير، و سقطت عن ظهر الفرس، و بقيت راجلا، و أتيت من بعيد في غاية التعب مع شدة الجوع و العطش.
فقالت زوجته: ويلك خف اللّه أيها الرجل، و احذر أن يكون محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) خصمك، و لا تحرّج عليهم. فقال: اسكتي فإن الأمير يغنيني بالأموال و الذهب و الفضة.
قومي و أحضري الطعام و الشراب. فقامت و أحضرت له الطعام، و أكل و شرب و ولج فراشه.
فأما الغلامان فكانا نائمين إذ انتبه محمّد و هو الأكبر، و قال لأخيه إبراهيم: يا أخي قم حتى أقصّ عليك ما رأيت آنفا عند رقدتي، و أظنّ أنّا نقتل عن قريب. رأيت كأن المصطفى (صلى الله عليه و آله و سلم) و عليا و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و أبانا مسلما، و هم في الجنة، فنظر إلينا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) فبكى. فالتفت رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى مسلم، و قال:
كيف خلّفت ابنيك بين الأعداء؟!. فقال مسلم: غدا يأتياني و يلحقان بي. فقال إبراهيم: و إني لقد رأيت كذلك. تعال حتى أعانقك و تعانقني، و أشمّ رائحتك و تشمّ رائحتي. و أخذ كل واحد منهما يشمّ الآخر. فعند ذلك سمع اللعين غطيط الغلامين و كلامهما، فسأل امرأته، فلم تجبه بشيء. فقام اللعين من ساعته، و بيده شمعة، و جعل يدور في البيت حتى دخل على الصبيين و وقف عليهما، و إذا بهما قد اعتنق كل واحد منهما الآخر. فقال: من أنتما و ما تصنعان في هذا المكان؟. فقالا: نحن أضيافك و من عترة نبيّك، و ولد مسلم بن عقيل. فقال اللعين: قد أتلفت نفسي و فرسي في طلبكما و أنتما في داري، و جعل يضربهما ضربا شديدا. ثم شدّ أكتافهما و ألقاهما في البيت. و أقبلت امرأته و جعلت تقبّل يديه و رجليه و تبكي و تتضرع، و تقول: يا هذا ما تريد منهما؟ و هذان غلامان صغيران يتيمان، و هما عترة نبيك، و هما ضيف عندنا.؟!. و لم يلتفت إليها. و بقي الغلامان على تلك الحالة حتى أصبح الصباح، فقام اللعين و حمل سلاحه و حمل معه الغلامين إلى الفرات،