موسوعة كربلاء - لبيب بيضون - الصفحة ٣٠٠ - ٣٥٥- قصة الغلامين ولدي مسلم بن عقيل
و كان السجّان من محبّي أهل البيت (عليهم السلام) و اسمه (مشكور). و كان الغلامان في السجن و هما باكيان حزينان، و السجّان لمّا عرفهما أشفق عليهما و أحسن إليهما، و أحضر لهما الطعام و الشراب، و أخرجهما من الحبس في جوف الليل، و أعطاهما خاتمه، و قال: أيا ولديّ إذا وصلتما إلى (القادسية) عرّفا أنفسكما إلى أخي، و اعرضا عليه خاتمي علامة، فهو يكرمكما و يوقفكما على الطريق، بل و يوصلكما إلى المدينة.
و خرج الغلامان إلى القادسية، و مضيا في جوف الليل، و هما غير خبيرين بالطريق. فلما أصبحا إذا هما حول الكوفة، فخافا و مضيا إلى حديقة فيها نخيل و ماء و شجر، فصعدا على نخلة. فجاءت جارية حبشية لتستقي ماء، فرأت عكس صورهما في الماء، نظرت و إذا بغلامين صغيرين كأن اللّه لم يخلق مثلهما. و جعلت تلاطف بهما حتى نزلا من النخلة. و أتت بهما إلى دارها و أخبرت سيدتها بهما.
فلما رأتهما [أي سيدة الدار] اعتنقتهما و قبّلتهما، و قالت: يا حبيبيّ من أنتما؟.
قالا: نحن من عترة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و ولد مسلم بن عقيل. فلما عرفتهما زادت في إكرامهما، و أحضرت لهما الطعام و الشراب، و أعتقت جاريتها سرورا بهذه العطية، و أوصتها بأن لا يطّلع زوجها على ذلك، لأنها كانت تعرفه بالشر.
و أما عبيد اللّه بن زياد، لما بلغه الخبر بأن مشكورا أطلق ولدي مسلم و أخرجهما من الحبس، دعاه و قال له: ويلك أين الغلامان؟. قال: لما عرفتهما أطلقتهما كرامة لرسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم). فقال: أأمنت من سطوتي؟ أما خفت من عقوبتي!. فقال: بل خفت من عقوبة ربي. ويلك يابن مرجانة، قتلت أباهما و أيتمتهما على صغر سنهما، فما تريد منهما؟. فغضب عبيد اللّه و دعا بالسياط، و قال: اجلدوه خمسمائة جلدة، و اضربوا عنقه. فقال مشكور: هذا في اللّه و في حبّ أهل بيت رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قليل.
فجلدوه خمسمائة جلدة. و جعل يسبّح اللّه و يقدّسه، و يقول: اللّهم أستعين بك و أطلب منك الفرج و الروح و الصبر، فإني قتلت في حب أهل بيت نبيك. اللّهم ألحقني بنبيّك و آله. ثم سكت حتى ضربوه خمسمائة سوط، و قد بلغت روحه التراقي، فقال بضعيف صوته: اسقوني ماء. فقال ابن زياد: لا تسقوه، بل اقتلوه عطشانا. فتقدم عمرو بن الحارث و تشفّع فيه عند ابن زياد، و حمله إلى داره ليداويه، ففتح مشكور عينيه، و قال: و الله لقد شربت شرابا من الكوثر، لا أظمأ بعده أبدا.
ثم فارقت روحه.