بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٣٧ - ٣ صحيحة زرارة والاختلاف فيما يستفاد منها
مكة، والشك بذلك قبل الوصول إليها فهو احتمال بعيد عن الفهم العرفي ويحتاج إلى قرينة خاصة، وتلك القرينة هي الجو الفقهي، وهو غير موجود بالنسبة إلى الانتهاء إلى مكة. إلا أن يراد بمكة في نص السؤال الحرم ــ كما قيل ــ ولكنه غير صحيح كما سيأتي التعرض له إن شاء الله تعالى.
وبالجملة: لو كنا نحن وسؤال زرارة وقطعنا النظر عن المقطع السابق عليه لكان المتبادر عرفاً أن سؤاله إنما هو من جهة كون موت الشخص قبل أن يوفق للإتيان بالمناسك، أي أن التعبير بـ(قبل أن ينتهي إلى مكة) كناية عن عدم الإتيان بالمناسك، وليس من جهة أن الحكم بالإجزاء تعبداً بعد الوصول إلى مكة كان واضحاً لديه وإنما كان يشك في الإجزاء قبل الوصول إلى مكة. فإن هذا ليس متفاهماً عرفياً من مثل هذا السؤال. ولو شك في الأمر لم يمكن أيضاً استفادة الإجزاء بعد الوصول إلى مكة من هذا المقطع من الصحيحة.
الوجه الثالث: ما يظهر من الأكثر ومنهم السيد الحكيم (رضوان الله عليه) من أن المقطع المذكور من الصحيحة يدل على عدم الإجزاء في ما إذا مات محرماً قبل الوصول إلى مكة، وأما إذا مات بعد الوصول إليها فالصحيحة ساكتة عن حكم ذلك.
وهذا الوجه مبني أيضاً على أصل ما مر في الوجه السابق من استظهار كون وقوع الموت قبل الانتهاء إلى مكة منظوراً للسائل بعنوانه، وليس قوله: (مات قبل أن ينتهي إلى مكة) كناية عن الموت قبل اللقاء بالأصحاب ليجد ماذا صنعوا بهديه، كما كان مبنى الوجه الأول. فيشترك هذا الوجه مع سابقه في موضوعية الموت قبل الانتهاء إلى مكة في نظر السائل.
ولكن يختلف عنه في جانب آخر، فإنه كان مقتضى الوجه السابق أن التقييد بـ(قبل الانتهاء إلى مكة) مما ليس له مبرر إلا إذا كان زرارة بانياً على الإجزاء في حالة وقوع الموت بعد الوصول إلى مكة، فيسأل عن حكم المحرم إذا وقع موته قبل الوصول إليها، إذ مع كونه شاكّاً في حكمه من حيث الإجزاء وعدمه في الصورتين جميعاً لما كان وجه للتقييد المذكور، وحيث لم يتعرض