بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٩١ - الأمور المعتبرة في وجوب الحج هل يعتبر بقاؤها إلى حين رجوع المكلف إلى وطنه أم يكفي بقاؤها إلى حين الانتهاء من الأعمال؟
١ ــ العقل. وهو معتبر في وجوب الحج، من حيث كون التكليف مرفوعاً عن المجنون، فمن يحرز أنه ستنتابه نوبة من الجنون في موسم الحج فإن كانت لا تمنع من أدائه لأفعال الحج فالوجوب ثابت في حقه، فإنه لا يشترط عدم تخلل الجنون بين أفعال الحج، وليس حال الحج حال الصلاة ــ مثلاً ــ التي تبطل بتخلل الجنون في أثنائها من حيث كونه موجباً لنقض الطهارة.
فلو علم المستطيع للحج أنه سيصاب بالجنون بعض الوقت بين أفعال عمرة التمتع مثلاً، ولكن يمكنه أداء الطواف وسائر مناسكها في حال الإفاقة وجب عليه الحج.
وأما إذا كانت نوبة الجنون تمنعه من أداء بعض الأفعال، فإن كان ذلك الفعل مما لا يقبل النيابة ولا يصح الحج بدونه كالوقوف في المزدلفة فلا يجب عليه الحج لأنه غير مستطيع له، وكذلك إذا كان مما يصح الحج بدونه ولكن مع طروّ العجز عن الإتيان به في الأثناء كالوقوف في عرفات وأما مع كون العجز عنه معلوماً مسبقاً فيمكن القول بعدم ثبوت الوجوب لعدم الدليل عليه بعد فرض عدم تحقق الاستطاعة للحج، فإنه اسم لمجموعة أفعال يعدّ الوقوف في عرفات من أهمها، فإذا لم يكن قادراً على أدائه لطروّ الجنون عليه في ذلك الزمان، فهو غير مستطيع للحج، فمقتضى القاعدة عدم وجوبه عليه.
هذا في الوقوفين، وأما المبيت في منى ــ الذي لا يقبل النيابة ولكن يصح الحج بتركه ولو عمداً ــ فسيظهر الحال فيه مما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما إن كان الفعل مما يقبل النيابة اختياراً كالذبح والحلق والتقصير فيمكن القول بأن عدم تمكنه من الإتيان بها مباشرة لعارض الجنون لا يمنع من وجوب الحج عليه، فإنه لا يشترط في النيابة نية المنوب عنه في حال قيام النائب بالفعل، بل اللازم نية النائب نفسه، فيمكنه أن يستنيب في حال عقله من يأتي بهما عنه وإن صار مجنوناً في حينه [١] .
[١] هذا بناءً على كون أمر الحاج من يذبح عنه أو يحلق رأسه مثلاً من باب الاستنابة، وأما بناءً على كونه من باب التسبيب وكون المباشر بمنزلة الآلة فيعتبر نية الحاج نفسه حين العمل، وحيث إن المجنون لا تصح منه النية فمقتضى القاعدة عدم وجوب الحج مع العلم مسبقاً بطروّ الجنون المانع من القيام به، إلا أن يلحق الذبح والحلق والتقصير بالطواف ويلتزم فيها بجواز النيابة عند تعذر التسبيب.