بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٩٢ - الأمور المعتبرة في وجوب الحج هل يعتبر بقاؤها إلى حين رجوع المكلف إلى وطنه أم يكفي بقاؤها إلى حين الانتهاء من الأعمال؟
وأما إن كان الفعل مما لا يقبل النيابة إلا لعذر كالطواف والسعي ورمي الجمرة والإحرام، فمقتضى القاعدة عدم وجوب الحج مع عدم التمكن منه مباشرة لطارئ الجنون، لأن العذر المسوّغ للنيابة المذكور في النصوص هو المرض والصدّ، وأما الجنون فلا دليل على كونه عذراً مسوّغاً للنيابة في هذه الموارد.
إلا أن يقال: إنه قد ورد في معتبرة معاوية بن عمار جواز الطواف والرمي والإحرام عن المريضة التي لا تعقل، وهذا العنوان لا يختص بالمغمى عليه، بل يشمل من أصابته نوبة من الجنون، وكذلك ورد في رواية حريز أو معتبرته: (المريض المغلوب والمغمى عليه يرمى عنه ويطاف به) فيقال: إن المراد بالمريض المغلوب هو المجنون، أي المغلوب على عقله، كما ورد في حديث الجزية: (أنها لا تؤخذ من المعتوه ولا من المغلوب على عقله).
ولكن لو تم هذا الاستظهار فالقدر المتيقن من النصوص المذكورة ما إذا لم يكن عروض الجنون معلوماً مسبقاً، وإطلاقها لما هو محل البحث من العلم المسبق بطروِّ الجنون المانع من مباشرة الطواف والسعي والرمي والإحرام ليس بذلك الوضوح وإن لم يكن بعيداً.
وكيف كان فقد ظهر أن الجنون إذا كان مانعاً من وجوب الحج من جهة اشتراط التكليف بالعقل فهو مانع بلحاظ أعمال الحج، وأما طروّه بعد الأعمال حتى قبل العود إلى الوطن فهو لا يضّر بوجوبه.
هذا بلحاظ كون العقل من شروط التكليف.
وأما بلحاظ كونه عارضاً صحياً فإن كان تعرضه لنوبة من الجنون في حال سفر الحج يوجب وقوعه في ضرر أو في حرجٍ شديد بخلاف ما إذا كان تعرضه لها عند أهله، فحينئذٍ لا يجب عليه الحج، وإن كان ذلك بعد الأعمال وقبل العود إلى الوطن.