شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ٨٣١ - الخاتمةوالاستنتاجات
١٩- لما رأى الإنكليز أن قوة العراقيين نابعة من تمسكهم بالإسلام عبر علماء الدين، حاولوا تضليل الناس من خلال تسويق تجربتهم المريرة مع رجال الدين المسيحي في بلادهم، تلك التجربة التي أوصلتهم إلى مبدأ (فصل الدين عن السياسة)، هذا المبدأ - كما يدّعون - أنقذ الغرب من سلطة رجال الدين، وكان الهدف من إشاعتهم لهذه الفكرة الغربية مقطوعةً عن ظروفها وملابساتها، هو التأثير على المسلمين تحت شعار الحرية والحقوق الشخصية، لينحوا المنحى ذاته، وذلك ليتسنى لهم الانفراد بالشعب وتمرير مؤامرتهم الاستعمارية على الوطن، ودفعوا السلطة المحلية لتنفيذ خطة إقصاء العلماء الإسلاميين عن الحياة السياسية، وتحديد نشاطهم في زوايا العبادة والشؤون الاجتماعية والعمل الثقافي، وكان من أبرز ثمار تلك الخطة ما حصلوا عليه من التعهدات من العلماء المنفيين من البلاد، تلك التعهدات الخطية التي اشترطت عدم تدخلهم في الشؤون السياسية في العراق بعد عودتهم إليه، وقد تحدثنا عن المسوّغات التي دفعت العلماء إلى تلك الموافقة وكانت تتمحور حول تقديم الأهم على المهم، فالأهم عندهم هو مسك الأمة روحياً ودينياً وأخلاقياً وقد فصّلنا هذه المسألة في حينها، والذي توصّلنا إليه بالرغم من الملاحظات والمؤاخذات عليها، إنها - بحقٍّ - فوّتت الفرصة على المستعمرين في محاولتهم لتجفيف منابع الوعي الإسلامي والوطني في الأمة، وقد بلغ هاجس الخوف قمتّه لدى المستعمرين والحكومات التابعة لهم من اسم الإسلام، ومن العلماء الواعين، والحركيين الوطنيين فعمدوا على مواصلة أسلوبهم العدائي ضد العلماء، لغرض إسقاط هيبتهم، وتشويه حركتهم، ومطاردة الناشطين منهم.
وضمن هذا السياق جرت كتابة تاريخ تلك الحقبة الزمنية، مبنيّةً على طمس حقائق الأحداث إرضاءاً لغرائز بعض الباحثين الخاصة في رسم أحداث التاريخ على ذوقهم بما يخدم توجّهاتهم الفكرية، في محاولة واضحة لمصادرةٍ قسريةٍ ومكشوفةٍ لدور