شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ٥٣٠ - السياسة البريطانية ومحاولة احتواء الثورة
لغرض احتواء الحالة الثورية والجهادية في الأمة، بل واستيعاب كافة المستجدات الناتجة عن التصعيد الثوري من قبل المعارضة الإسلامية ضد وجودهم المباشر. وهذا وإن كان على حساب بعض التنازلات الاسترضائية([٩٩٤])، وذلك لتفادي استمرار الثورة أو اندلاعها بقوة مرة أخرى، فالثورة وتبعاتها «تركت لدى الرأي العام البريطاني آثاراً شديدة لما سببته من خسائر فادحة للحملة البريطانية، وتكاليف باهظة تحمّل عبأَها دافع الضريبة البريطاني، فارتفعت في إنكلترا أصوات التذمر تطالب بانتهاج سياسة تخفف من ثقل الأعباء المالية من جهة، وتجاري الروح الحديثة التي سادت الشعوب بعد انتشار مبادئ (ولسن) في حق تقرير مصيرها من جهة أخرى»([٩٩٥]).
وهكذا واصل البريطانيون نشاطهم السياسي في إطار الخيارين المتقدمين، وذلك باستخدام أشخاص مختلفين لغرض التنفيذ، وإن كان يبدو أحياناً أن هناك نوعاً من التضارب بين الرموز المنفذة للإدارة البريطانية على كلا الخيارين -كما سنرى في الظاهر - إلاّ أن كلا الخيارين، كانا كحلقتين متكاملتين في توزيع الأدوار لغرض الوصول إلى الهدف المنشود وهو استمرار الوجود البريطاني في العراق، باعتباره أفضل الطرق المؤدية إلى الهند - الدرة اللامعة في التاج البريطاني - كما وأن السيطرة على العراق تعني السيطرة على نفط الخليج، وعليه فقد مورست سياسة الشدة من قبل سلطات الاحتلال البريطاني أعقبتها سياسة اللين لغرض الاحتواء السياسي للمعارضة المتنامية، وذلك حسب مقتضيات المرحلة. وقد كانت الفرصة سانحة لتنفيذ الخيار الأول في إجراء التفاوض مع زعماء الثورة الدينيين والاجتماعيين، وذلك إثر وفاة الإمام الشيرازي قائد
[٩٩٤] إنها تنازلات ضئيلة لم تتجاوز الحدود الشكلية، بعيدة كل البعد عن المساس بالقضايا الجوهرية - كما سنرى ذلكلاحقاً-.
[٩٩٥] العمري، خيري، أمين: حكايات سياسية من تاريخ العراق الحديث ص٣٨، طبع بغداد الطبعة الأولى - بلا تاريخ - من منشورات مكتبة آفاق عربية. أما طبعة القاهرة - دار الهلال فهي بتاريخ١٩٦٩م.