شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ١١١ - ثالثاً الاصطدام بالاقلياتالأُخرى
لتكون موطناً لليهود. إنّ مجمل هذه الإرساليات، التي سبقت أو رافقت التغلغل الاقتصادي والسياسي لبلاد المسلمين، بلورت وعياً خاصاً داخل الاقليات، مفاده تكريس العزلة عن مشاريع الدولة العثمانية من ناحية، ومن ناحية أخرى استثمار الطاقات والإمكانيات المتاحة لغرض النمو الذاتي على المستوى الاقتصادي، ومن ثمّ لتدخل في سير الأحداث السياسية بشكل مؤثر، ضمن المشروع الأوروبي الذي يناسب مع معطيات المرحلة. وعليه «لم يكن السكان المسيحيون واليهود، كذلك اليزيديون يرغبون في المشاركة بمغامرات (الدولة) العثمانية العسكرية، وبعد إصدار قانون تطبيق الخدمة العسكرية على غير المسلمين في ١٩٠٩م، بدأ هؤلاء يحاولون التهرب من الخدمة العسكرية. بمختلف الوسائل..»([١٣٧]). إن هذه الأرضية في واقع الاقليات قد نضّجتها إلى درجة الخصوبة، مخططات أوروبا والصهيونية بالذات، عبر تفعيل أمرها ثقافياً وسياسياً، وإبراز دورها السياسي والاقتصادي المغمور نتيجة السياسة العثمانية. والسؤال الصعب الذي تطرحه هذه الحالة هو: هل كان بإمكان الدولة العثمانية أن تستوعب الاقليات وتفتح أمامها آفاق العمل السياسي والإداري داخل البلاد الإسلامية! وبشكل يرضي طموحها الخاص، وطموح الطامعين من ورائها؟ إنها المعاناة الحقيقية لكل نظام إسلامي تتعايش في أوساطه أقليات بتلك الظروف الذاتية والموضوعية. لذلك «ومنذ أن أحرز الإنكليز تفوقاً على منافسيهم الفرنسيين في العراق، عمل القناصل والوكلاء الإنكليز، على رسم دور سياسي واقتصادي مباشر، وآخر مستقبلي للجماعات غير المسلمة، ومن ثم توظيف هذا الدور في خدمة النفوذ والتغلغل الإنكليزي، وبالاستفادة من نزعة هؤلاء للدول الأوروبية، كمراكز تبشير، والتي نمّتها الحركة التبشرية، وحيث ساهم نظام الملل العثماني في توفير شروط مهمة لتحقيق هذا الدور، فإن تسليم هذه الجماعات قيادة العملية التجارية، بعد التجّار الإنكليز، شكّل
[١٣٧] منتشاشفيلي، البرت. م: المرجع ذاته،ص١٢١.