شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ٥٦٣ - ب الحكومةالمؤقتة
الاحتلال أنفاسه، لترتيب وضعه واستعداداته لخوض المعركة بأساليبجديدة.
هذا، ومما يذكر أن النقيب الكيلاني كان قد أكد سابقاً بعدم قبوله استلام منصب سياسي في البلاد، إلا أنّه تراجع عن رأيه بعد اجتماعه مع (كوكس)، حيث حسم تردده بالموافقة. ويبدو أن أسباباً عديدة دعت الكيلاني إلى القبول، منها ما تنقله إلينا (المس بيل) حينما قامت بزيارته إلى بيته في ٦ شباط ١٩١٩م حيث قال لها: «..أنا درويش.. إن صيرورتي رئيساً سياسياً للدولة هي ضد أشد مبادئ عقيدتي تأصلاً، ففي أيام جدي عبد القادر إعتاد الخلفاء العباسيون استشارته كما تطلبين أنتِ وزملاؤك مشورتي الآن[!]، لكنه لم يكن يوافق على الاشتراك في الشؤون العامة، وسوف لا أوافق أنا ولا أي أحد من أحفاده على أن نفعل ذلك، وهذا جوابي من الوجهة الدينية لكني سأعطيك جواباً يستند إلى أسباب شخصية، فإني متقدم بالسن، وأرغب أن أقضي الخمس أو الست سنوات التي بقيت من حياتي في الدرس والتأمل،..لا أتراجع عما قلته الآن، حتى إذا كان في ذلك إنقاذ العراق من الدمار التام»([١٠٦٥]). ولكن المستعمرين يعرفون كيف يؤثرون على الرجال الضعاف ويغيّرون قناعاتهم، والمعروف عن الكيلاني إنه يكره علماء الشيعة الذين أفتوا بالجهاد ضد البريطانيين([١٠٦٦]). لذلك حينما اجتمع إليه (كوكس) أكد عليه ضرورة قبوله المنصب السياسي - في رآسة الوزارة - وإلاّ سيتحول إلى رجال الشيعة الذي يكرههم، لذلك وافق على قبول المنصب ضارباً كل مبادئه وتعهداته مع نفسه عرض الحائط([١٠٦٧]). وللأسف الشديد لقد آنجرّ هذا الشيخ المسكين إلى هذا الموقع بدوافع طائفية، وفاته أن يفكّر بجدّية من خلال الوعي الإسلامي والوطني في
[١٠٦٥] بيل، المس: فصول من تاريخ العراق القريب، مصدر سابق،ص٤٨٠.
[١٠٦٦] المصدر ذاته، ص٤٧٨. يقول الكيلاني للمس بيل: «إن معظم أولئك الذين تكلموا ضدكم رجال لا سمعة لهم ولا شرف..»!!.
[١٠٦٧] الوردي، مرجع سابق، ج٦، ص٢١-٢٣.