شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ٤٠٨ - العواملالخارجية
الانتصار، ودفع الحماس بأولئك المنتصرين من أهالي مدينة تلعفر والعشائر المحيطة بها، وبعض العسكريين من جيش الشريف الذين التحقوا بالمهاجمين، أن يواصلوا زحفهم إلى الموصل، والجدير بالذكر أن الزعماء الدينيين كان لهم الدور الكبير في استنهاض الناس والوقوف إلى جانب الثوار، فإذن كانت الدوافع إسلامية هدفها التخلص من المحتلين الكافرين. كما فعل عالم تلعفر محمد سعيد أفندي ولنا أكثر من شاهد على هذا الرأي، فمثلاً حينما جاءت الإمدادات البريطانية بالسيارات، كان الثوار يهاجمونها بالخناجر والمسدسات، وكانت النساء يضربن بالأحجار تلك السيارات، ويصحن «لقد ظهر دين محمد»، ويذكر المؤرخون إنه لم ينج من جنود تلك القافلة سوى اثنين كانا من المسلمين الهنود وكانا يصرخان «دخيل دخيل، مسلمان مسلمان»([٧٢٥]).
ولكن تزايدت الإمدادات العسكرية البريطانية بعد ذلك، وأدركت حركة الثوار قبيل وصولهم إلى الموصل، وكانت هائلة بالنسبة لإمكانيات الثوار، قتمّت هزيمة العشائر، وعاد أهالي تلعفر من المواجهة وهَجَروا بلدتهم خوفاً من اقتحامها من قبل الجيش البريطاني، وبالفعل دخل الجيش المحتل إلى تلعفر في ٩ حزيران وعاث في الأرض خراباً وفساداً. أما الموصل فبدأت سلطات الاحتلال بالتشديد على الأهالي فيها، ولكن الاضطرابات عادت إليها بحملة أخرى أواسط تموز ١٩٢٠ أواخر شوال ١٣٣٨هـ([٧٢٦]).
ويبدو أن للموصل خصوصية جغرافية وسكانية - آنذاك - ساعدتها على تقبل المؤثرات الإعلامية القادمة من الخارج، «ويمكن القول.. إن الموصل كانت في تلك الآونة ملتقى لثلاثة أنواع من الدعاية، هي الدعايات التركية، والعربية، والبلشفية، وقد أخذت هذه الدعايات تتعاون فيما بينها لمحاربة العدو المشترك»([٧٢٧]).
[٧٢٥] للتفاصيل راجع: التلعفري، قحطان أحمد عبوش: ثورة تلعفر، طبع بغداد١٩٦٦.
[٧٢٦] التلعفري: المرجع ذاته، تجد تفاصيل تلك الأحداث. وكذلك الوردي: المرجع السابق، ص١٤٨-١٧٢ (واقعة تلعفر).
[٧٢٧] الوردي: المرجع ذاته، ص٥٣-٥٤.