شيعة العراق وبناء الوطن - مالك، محمد جواد - الصفحة ٣١٤ - علماء المسلمين الشيعة ينقذونالموقف
ومن هنا لا نستغرب من تمادي القائد التركي خليل باشا في غيه، وفساد خلَفه بعد انتصاره في الكوت، بينما الإنكليز أخذوا درساً قاسياً من تلك التجربة المرة، فأعادوا تنظيم صفوفهم، وحسّنوا سبل التموين والمواصلات، ورتبوا العناية الصحية، وقرروا احتلال بغداد، وبالفعل تم ذلك بقيادة الجنرال (مس. مود moude) في ١١ آذار ١٩١٧ - ١٨ جمادى الأولى ١٣٣٥هـ.
وعندها تقدمت الأقلية اليهودية لتبارك للبريطانيين انتصارهم. و«قد ذكر ساسون سلمون زعيم الطائفة اليهودية في (سورا بايا) وممثلها، أمام (مود) أن استيلاءه على بغداد جاء بمثابة خلاص للأمة اليهودية بأسرها». وأشادت الجالية اليهودية المقيمة في العراق، بهذا الانتصار، وسعت لمد يد العون والمساعدة لقوات الاحتلال، فمثلاً وضع (ايلي خدوري) - وهو يهودي بغدادي معروف - إمكانياته في خدمة جيش الاحتلال، فقدم بيته الفخم لخدمة مؤسساتهم، كما وقدّم مشروع إقامة مشفى للجيش البريطاني والجاليات الأجنبية في بغداد، على أن يتعاون ويساهم في تنفيذه([٥٤٨]). هذا، ويضيف الدكتور فاروق الأقلية المسيحية - أيضاً - بقوله: «فقد ناصرت الطوائف المسيحية واليهودية الاحتلال بصورة واضحة»([٥٤٩]).
وهكذا تطوّرت تفاعلات الساحة العراقية جهادياً بتطور الأحداث، حتى إنها تبلورت بفاعلية أكبر بعد احتلال بغداد عام ١٩١٧م، على شكل مواجهةٍ مسلحةٍ تمثلت في ثورة النجف، في آذار - نيسان ١٩١٨ الموافق لجمادى الأولى والثانية ١٣٣٥هـ، وبالتعاون مع العثمانيين. ثم استمرت حالة النضوج الثوري في الساحة بنموٍ متزايد، مكّنت الإسلاميين من تفجير ثورة العشرين، بشكلٍ مستقل عن العثمانيين، في قمة الأحداث التي سجلها الإسلاميون آنذاك ضد الاحتلال البريطاني - وسيأتي الحديثعنها-.
[٥٤٨] النفيسي، عبد الله: المرجع السابق، ص١٠٩-١١٠.
[٥٤٩] العمر، د. فاروق صالح: الأحزاب السياسية في العراق ١٩٢١-١٩٣٢ مرجع سابق،ص٣٣.