مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ٨ - الأول في كتاب قاض إلى قاض
و أما الشهادة، (١) فإن شهدت البيّنة بالحكم، و بإشهاده إيّاهما على حكمه، تعيّن القبول، لأن ذلك ممّا تمسّ الحاجة إليه، إذ احتياج أرباب الحقوق إلى إثباتها في البلاد المتباعدة غالب، و تكليف شهود الأصل التنقّل متعذّر أو متعسّر، فلا بدّ من وسيلة إلى استيفائها مع تباعد الغرماء، و لا وسيلة إلا رفع الأحكام إلى الحكّام، و أتمّ ذلك احتياطا ما صوّرناه.
بعض» [١].
و للعامّة [٢] في ذلك اختلاف أيضا، فمنهم من منعه مطلقا كما قلناه، و منهم من أجازه مطلقا، و منهم من أجازه مع الوثوق بالخطّ و الختم.
و أما إنهاء الحاكم إلى آخر بالقول، بأن يقول له: إنّي حكمت بكذا و نحوه، ففي جواز قضاء السامع به- بمعنى إنفاذه له- خلاف، فذهب الشيخ في الخلاف [٣] إلى عدم القبول.
و وجّهوه بأنه حكم من الثاني بغير علم، و قد نهى [٤] اللّه تعالى عنه، خرج منه ما دلّ عليه دليل من خارج فيبقى الباقي على الأصل.
و الأصحّ القبول، لما سيأتي [٥] إن شاء اللّه تعالى من جوازه مع الشهادة على حكمه، فمع مشافهته أولى.
قوله: «و أما الشهادة. إلخ».
(١) هذا هو القسم الثالث من إنهاء قاض إلى آخر مضمون حكمه بطريق
[١] حكاه عنه العلامة في المختلف: ٧٠٦.
[٢] الحاوي الكبير ١٦: ٢١٣، المغني لابن قدامة ١١: ٤٥٨، بدائع الصنائع ٧: ٧، روضة القضاة ١:
٣٢٩- ٣٣١، الكافي للقرطبي ٢: ٩٥٦، الإنصاف ١١: ٣٢١، روضة الطالبين ٨: ١٦٢.
[٣] الخلاف ٦: ٢٤٥ مسألة (٤٢).
[٤] الإسراء: ٣٦.
[٥] في الصفحة التالية.