مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ٧٢ - الفصل الثاني في التوصّل إلى الحقّ
..........
و هذا الخبر يدلّ على الجواز من غير كراهة، لأنه (عليه السلام) لا يحبّ المكروه. و قوله (عليه السلام): «و تحلف» أراد به أنه إذا طلب منه المودع الوديعة جاز له الإنكار، فإن أحلفه حلف له على عدم الاستحقاق، أو على عدم الاستيداع مع التورية. ثمَّ الكراهة تستفاد من ظاهر الأدلّة الآتية جمعا.
حجّة القائل بالتحريم عموم قوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا [١]. و الأمر بأدائها إليهم ينافي جواز الأخذ. و خصوص رواية ابن أبي عمير عن ابن أخي الفضيل بن يسار، قال: «كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) و دخلت امرأة و كنت أقرب القوم إليها، فقالت لي: اسأله، فقلت: عمّا ذا؟
فقالت: إن ابني مات و ترك مالا كان في يد أخي فأتلفه ثمَّ أفاد مالا فأودعنيه، فلي أن آخذ منه بقدر ما أتلف من شيء؟ فأخبرته بذلك فقال: لا، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، و لا تخن من خانك» [٢].
و في هذا الحديث دلالة من ثلاثة مواضع:
أحدها: من قوله: «لا» في جواب قولها: «فلي أن آخذ منه».
و ثانيها: من قوله (عليه السلام): «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك» فإن الأمر بأدائها إليه ينافي جواز الأخذ، و لأنه ذكره في جواب سؤال الأخذ.
و ثالثها: من قوله (عليه السلام): «و لا تخن من خانك». و هو ظاهر.
و رواية سليمان بن خالد قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل وقع لي عنده مال فكابرني عليه ثمَّ حلف، ثمَّ وقع له عندي مال، آخذه مكان
[١] النّساء: ٥٨.
[٢] التهذيب ٦: ٣٤٨ ح ٩٨١، الاستبصار ٣: ٥٢ ح ١٧٢، الوسائل ١٢: ٢٠٢ الباب المتقدّم ح ٣.