مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ٢١٥ - الرابعة التبرّع بالشهادة قبل السؤال يطرّق التهمة، فيمنع القبول
..........
تعالى فيه حقّ و إن كان مشتركا، كحدّ القذف، و الوقف على منتشرين، و العتق و الوقف على معيّن إن قلنا بانتقال الملك إلى اللّه تعالى. و تسمّى الشهادة على هذا القسم على وجه المبادرة شهادة الحسبة.
فالمبادر في القسم الأول لا تقبل شهادته. و في الخبر أنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال في معرض الذمّ: «ثمَّ يجيء قوم يعطون الشهادة قبل أن يسألوها» [١].
و في لفظ آخر: «ثمَّ يفشوا الكذب حتّى يشهد الرجل قبل أن يستشهد» [٢]. و روي أنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها» [٣].
فجمع بين الحديثين بحمل الأول على الأول، و الثاني على الثاني.
و المصنف- (رحمه اللّه)- تردّد في عدم المنع في القسم الثاني. و وجه التردّد من عموم الأدلّة الدالّة على الردّ، و تطرّق التهمة، و من ثبوت الفرق الموجب لاختصاص الحكم بالأول، لأن هذه الحقوق لا مدّعي لها، فلو لم يشرع فيها التبرّع لتعطّلت، و هو غير جائز. و لأنه نوع من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و هو واجب، و أداء الواجب لا يعدّ تبرّعا. و هذا هو الأقوى.
إذا تقرّر ذلك، فالتبرّع بالشهادة في موضع المنع ليس جرحا [٤] عندنا حتّى لا تقبل شهادته في غير تلك الواقعة، لأن الحرص المذكور ليس بمعصية، فتسمع شهادته في غيرها و إن لم يتب عمّا وقع و لا استبرئ من ذلك مدّة، و إنما الردّ
[١] مسند أحمد ٤: ٤٢٦، تلخيص الحبير ٤: ٢٠٤ ح ٢١٣٠.
[٢] سنن ابن ماجه ٢: ٧٩١ ح ٢٣٦٣، تلخيص الحبير ٤: ٢٠٤ ذيل ح ٢١٣٠.
[٣] مسند أحمد ٥: ١٩٣، صحيح مسلم ٣: ١٣٤٤ ح ١٩، سنن أبي داود ٣: ٣٠٤ ح ٣٩٥٦، سنن الترمذي ٤: ٤٧٢ ح ٢٢٩٥ و ٢٢٩٧، سنن البيهقي ١٠: ١٥٩.
[٤] في «ت، ط»: حرجا، و في «خ»: حرصا.