مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ٣٤٧ - أما الإقرار
..........
يا رسول اللّه إني أصبت حدّا فأقم فيّ كتاب اللّه، فقال: أ ليس قد صلّيت معنا؟
قال: نعم، قال: فإن اللّه قد غفر لك ذنبك أو حدّك» [١].
و لو كان الحدّ يثبت بالإقرار مطلقا لما أخّره النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و لا حكم بأن الصلاة تسقط الحدّ. و إنما أجابه بذلك من حيث عدم ثبوته مع إطلاقه كذلك، و إن تكرّر الإقرار.
و أيضا، فإن الحدّ- كما قد علم- يطلق على الرجم، و على القتل بالسيف، و الإحراق بالنار، و رمي الجدار عليه، و غير ذلك ممّا ستقف عليه، و على الجلد.
ثمَّ الجلد يختلف كمّية و كيفيّة، فحمل مطلقه على الجلد غير مناسب للواقع، و لا يتمّ معه إطلاق أن الإقرار أربع مرّات يجوز جلد المائة. فالقول بعدم ثبوت شيء بمجرّد الإقرار المجمل قويّ.
و على هذا، فيمكن القول بعدم وجوب استفساره، بل و لا استحبابه، تأسّيا بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في هذا الخبر و غيره من ترديد عزم المقرّ، فكيف بالساكت؟! و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر اللّه، فإن من أبدى صفحته أقمنا عليه الحدّ» [٢]. و أقلّ مراتب الأمر الاستحباب.
و في حديث المزني الذي أقرّ عند أمير المؤمنين (عليه السلام) بالزنا أربع مرّات، و في كلّ مرّة يأمره بالانصراف، ثمَّ قال له في الرابعة: «ما أقبح بالرجل منكم أن يأتي بعض هذه الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس الملأ! أ فلا تاب في
[١] صحيح البخاري ٨: ٢٠٧، صحيح مسلم ٤: ٢١١٧ ح ٤٤.
[٢] الموطّأ ٢: ٨٢٥ ح ١٢، سنن البيهقي ٨: ٣٢٩- ٣٣٠، تلخيص الحبير ٤: ٥٧ ذيل ح ١٧٥٦.