مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ٢١٩ - الخامسة المشهور بالفسق إذا تاب لتقبل شهادته
..........
و الثالث: أنه ينتقل بعد موت الكلّ إلى اللّه تعالى، لأنه الباقي بعد فناء كلّ شيء، و هو يرث الأرض و من عليها، و هو خير الوارثين. و أصحّها الأول.
و أما التوبة الظاهرة، فالمعاصي تنقسم إلى فعليّة و قوليّة. أما القوليّة- كالقذف- فقد تقدّم [١] الكلام في توبته. و أما الفعليّة- كالزنا و السرقة و الشرب- فإظهار التوبة عنها لا يكفي في قبول الشهادة و عود الولاية، لأنه لا يؤمن أن يكون له في الإظهار غاية و غرض فاسد، فيختبر مدّة يغلب على الظنّ فيها أنه قد أصلح عمله و سريرته و أنه صادق في توبته. و لا يتقدّر ذلك بمدّة معيّنة، لاختلاف الأمر فيه باختلاف الأشخاص و أمارات الصدق. و عند بعض العامّة [٢] يتقدّر بمضيّ الفصول الأربعة، لأن لها أثرا بيّنا في تهييج النفوس و انبعاثها لمشتهياتها، فإذا مضت على السلامة أشعر ذلك بحسن السريرة. و اكتفى بعضهم [٣] بستّة أشهر، لظهور عوده إن كانت فيها غالبا.
و لو كانت المعصية ممّا يترتّب عليها حقّ مالي فلا بدّ من التخلّص منه كالأولى. هذا هو المشهور بين الأصحاب.
و ذهب الشيخ في موضع من المبسوط [٤] إلى الاكتفاء بإظهار التوبة عقيب قول الحاكم له: تب أقبل شهادتك، لصدق التوبة المقتضي لعود العدالة، مع انتفاء المانع، فيدخل تحت عموم قبول شهادة العدل.
و أجيب [٥] بمنع اعتبار توبته حينئذ، لأن التوبة المعتبرة هو أن يتوب عن
[١] في ص: ١٧٣.
[٢] الحاوي الكبير ١٧: ٣١، المغني لابن قدامة ١٢: ٨١، روضة الطالبين ٨: ٢٢١.
[٣] الحاوي الكبير ١٧: ٣١، المغني لابن قدامة ١٢: ٨٢، روضة الطالبين ٨: ٢٢٢.
[٤] المبسوط ٨: ١٧٩.
[٥] غاية المراد: ٣١٩- ٣٢٠.